روى الإمام أحمدُ في الزُّهد وغيرُه عن جُبيرِ بنِ نُفيْر قال : لما فُتِحَتْ قبرص فُرِّقَ بين أهلِها فبكى بعضُهم إلى بعض ، ورأيتُ أبا الدرداءِ جالساً وحدَه يبكي ، فقلتُ : يا أبا الدرداء ! ما يبكيكَ في يومٍ أعزَّ اللهُ فيه الإسلامَ وأهلَه ؟ قال : ويحَك يا جبير ؛ ما أهونَ الخلقِ على اللهِ إذا أضاعوا أمرَه . بينا هي أمةٌ قاهرةٌ ظاهرةٌ لهم الملكُ ، تركوا أمرَ اللهِ فَصَارُوا إلى ما ترى إنه ليس هناك أحدٌ بينه وبين الله نَسب ، ولذا قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه . رواه مسلم .
فَعَمَلُ المسلم هو حسبُه ونسبُه وهو فخره وشرفُه في الدنيا والآخرة .
كم رفَعَ العِلم أقواماً ، وكم خفض الجهل آخرين .
كان عطاء ابن أبي رباح عُبيداً أسوداً لامرأة من مكة وكان أنفه كأنه باقلاء ، فجاءه سليمان بن عبد الملك وهو أمير المؤمنين جاء هو وابناه إلى عطاء ، فجلسوا إليه وهو يصلي فلما صلى انفتل إليهم ، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج ، وقد حوّل قفاه إليهم ثم قال سليمان لابنيه : قوما ؛ فقاما ، فقال : يا بَني لاتَنِيَا في طلب العلم ، فإني لا أنسى ذلّنا بين يدي هذا العبد الأسود .
وكان محمد بن عبد الرحمن الأوقص عنقُه داخلٌ في بدنه ، وكان منكباه خارجين كأنهما زُجّان ، فقالت أمه : يا بني لا تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوكَ منه المسخورَ به ، فعليك بطلب العلم ؛ فإنه يرفعك ، فولى قضاء مكة عشرين سنة ، وكان الخصم إذا جلس إليه بين يديه يرعد حتى يقوم . ومرت به امرأة وهو يقول : اللهم اعتق رقبتي من النار ، فقالت له : يا ابن أخي وأي رقبة لك !
فالعلم الذي يُثمر تقوى الله والبعد عن معصيته هو العلم الحقيقي ، فإن مَن كان بالله أعرف كان منه أخوف .