وهذا ما يُشاهد في السنوات الأخيرة فقد لوحظ قبض العلماء ، وأبْرَزَتْ الفضائيات وبعض وسائل الإعلام الأخرى من ليسوا أهلاً للتّصدّر ، ولا يُظنّ أن الفضائيات التي تُتاجِر بالغرائز وإثارة الفتن والشهوات ، وتقذف بالشُّبهات قذفاً مُروّعاً ، لا يُظنّ بها أنها ستُبرِزُ العلماء الصادقين الذين يجب أن تَصْدُرَ الأمة عن رأيهم ، إنما يُبرزون – في الغالب – من يُوافقهم على باطلهم أو على الأقل مَنْ يَسكُت عن عوراتهم ، ويغضّ عنها طرفاً .
فالعلماء الصادقون يُحارَبون من قبل أهل الباطل في كل زمان ومكان ، حيث يُفتون بما لا يُعجب أهل الرّيْب والفساد ، ومن ثم يُرمون عن قوس واحدة بما هم منه براء ، ثم تذهب الليالي والأيام ويبقى للعلماء ذِكرهم وثناء الناس عليهم .
ولا عجب أن تُحارب الدعوات الصادقة وتُلفّق الاتهامات لأصحابها ، كما تعرّضت دعوة الأئمة المجددين ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب ومن سار بسيرهم ، ودعا بدعوتهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ، وإلى تقديم الكتاب والسنة على آراء الرجال .
وكان ابن القيم – رحمه الله – أحد أولئك العلماء الصادقين ، الذين تعرّضوا قديماً وحديثاً إلى النيل من أعراضهم ، بل وإلى إلصاق التُّهم العريضة الذين هم بريئون منها .
وقبل الدخول في سيرته ، وقبل أن أقف مع فوائد هذه السلسة ، وما فيها من تدارُسِ سيَرِ أئمة الهدى ، أودُّ التعريف بابن القيم ، والتفريق بينه وبين ابن الجوزي وسبب الخلط بينهما .
فأولاً : التعريف به – رحمه الله – :
هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي الدمشقي . الشهير بـ ( ابن قيّم الجوزية ) أو ابن القيم اختصاراً .
وُلِد – رحمه الله – سنة إحدى وتسعين وستمائة للهجرة .
وسببُ تسميته بابن قيم الجوزية ، أن والده – رحمه الله – كان قَيِّماً على المدرسة الجوزية بدمشق ، والقيّم هو الناظر أو الوصي ، وهو ما يُشبه المدير في زمننا هذا .