سابعها : أن الناس اليوم إذا نَزَلتْ بهم نازلة ، أو حَصَلَتْ لهم مشكلة بادروا بسؤال العلماء ، ولو كان ذلك في جوف الليل !
فالذي يقع في مشكلة طلاق يُبادِر بالاتصال بأهل العلم ، يسألهم ويستفتيهم .
ولا يذهب يستفتي جاره أو صاحبه ، ولا يسأل طبيبا أو مهندسا عن مسألة شرعية !
وكَما لا يذهب المريض إلى النَّجار طلبًا للعِلاج ، ولا يذهب للخبّاز رغبة في إصلاح سيارته ! كذلك لا يَجوز أن يُستفتَى من ليس أهلاً لذلك .
ثامنها : أن مِن شأن هذا الصنيع أن يُجَعَل الْمُسْتَفْتِي في حيرة !
فلو سأل سائل مثلا عن مسألة فقهية ، ثم سُقنا له الآراء الفقهية المتباينة ، بين قول يَقول بالوجوب ، وقول يَقول بالاستحباب وقول ثالث يَقول بالْمَنْع والْحظْر ، ثم تَركْنَاه هكذا ، لأصبح في حيرة مِن أمْرِه .
وبعض المسائل يَكون في المذهب الواحد فيها أكثر مِن قَول ..
فمثلا : بعض الأقوال في بعض المذاهب تترَدَّد بين القول بالجواز والقول بالتَّحْرِيم !
وقد يَكون في المذهب الفقهي الواحد أربعة أقوال !
فبأيّ قَول يأخذ الْمُسْتَفْتِي ؟!
والْمُسْتَفْتِي عادة ليس عنده مِن الفقه ما يُؤهِّله للترجيح بين الأقوال ، ولا عَرْض الأدلة ونقد الضعيف ، ومعرفة القواعد والأشباه والنظائر ، وغير ذلك مِن وجُوه الاستدلال والترجيح ..
فإذا لم يَتِمّ الترجيح له مِن قِبَل مُخْتَصّ لم يَتَبيَّن له وَجْه الصواب !
ولا أقصد بذلك من كان طالبا للعِلْم وعنده زاد من الفقه يُؤهِّله لذلك ..
بل أقصد عامة الناس ، وهم الأكثر ، وهم السواد الأعظم في الأمة .
وبعض المسائل الفقهية قد تصل الأقوال فيها إلى عشرين قولا !
وهل مَن أمْضى عُمُره في طَلب العِلْم والبحث والتفتيش عن مسائله كالذي لَم يُمضِ فيه سِوى ساعات قليلة مِن يوم أو مِن بعض يوم ؟!
والله تعالى أعلم .
***********************************
199-ابن رشد والفلسفة
(...السؤال...)