فالذي يظهر أن الْحِكْمة في كونه صلى الله عليه وسلم لم يُؤذِّن أنه صلى الله عليه وسلم قد يَحُثّ على العمل ، ولا يَعمَل به لِحكمة ، لأنه لو تَوَافَق قوله مع فِعله لكان آكد لذلك العمل ، فربما حصلتْ مشقّة على الأمة ، ولربما تقاتَل الناس على تلك الأفعال والسُّنَن .
ويعضد هذا التعليل ويُؤيِّده أنه لما اجْتَمَع وتَوافَق قوله وفِعله يوم الحديبية حينما أمر الناس بالْحَلْق ثم فَعَله ، فلما رأَوا ذَلكَ قاموا فَنَحروا ، وجَعلَ بعضُهم يَحلِقُ بعضاً ، حتى كادَ بعضُهم يَقتُلُ بعضاً غَمّاً . كما عند البخاري في الصحيح .
وهذا سَبَقتْ الإشارة إليه في : شاوروهنّ واعصوهنّ
وهذا يَدلّ على حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته ، ورفع الْحَرَج عنهم ، ودَفع المشقّة .
وهذا سبق بيانه في : حريص عليكم
فالنبي صلى الله عليه وسلم حَثّ على الأذان ، وذَكَر فَضْل الأذان ، كما في قوله : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة . رواه مسلم .
وكما في قوله : لو يعلم الناس ما في النِّداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِمُوا عليه لاستهموا . رواه البخاري ومسلم .
فهذا قوله صلى الله عليه وسلم وحثّه على الأذان ، فلو تَوَافَق فِعله مع قوله صلى الله عليه وسلم لكاد الناس أن يَقتَتِلُون .
هذا ما أقوله فإن كان صوابا فَمِن الله ، وإن كان خطأ فمن نفسي ومن الشيطان ..
وأستغفر الله وأتوب إليه .
والله تعالى أعلم .
وللفائدة :
فإن صِيَغ ( قِيل ) و ( رُوي ) و ( يُرْوَى ) و ( يُقال ) ونحوها .. تُسمى عند أهل العلم " صِيَغ تمريض " .. أي تضعيف .. فتصدير القول بها ، أو الرواية يُشعِر بِضعفها .