وأما قولك – رعاك الله – : " وأنه تجب نصيحته الولاة سِراً لا علنا "
أقول : هذا مُتعقّب بأنه ليست كل نصيحة للولاة تكون سِراًّ ، بل منها ما يكون سِرا ، ومنها ما يكون عَلَناً ، حسبما يقتضيه الحال والمصلحة .
ومن هذا الباب إنكار الصحابة على الولاة جهراً ، فقد أنكر عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه على بشر بن مروان لما رآه على المنبر رافعاً يديه ، فقال عمارة : قبح الله هاتين اليدين ! لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا ، وأشار بإصبعه المسبحة . رواه مسلم .
وفي صحيح مسلم من طريق طارق بن شهاب قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان ، فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة ، فقال : قد تُرك ما هنا لك ، فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان .
وفي صحيح مسلم أيضا من طريق الحسن أن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عبيد الله بن زياد ، فقال : أي بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن شرّ الرّعاء الحطمة ، فإياك أن تكون منهم ، فقال له : اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال : وهل كانت لهم نخالة ؟! إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم !
وفعل السلف أكثر وأشهر من أن يُحصر في الإنكار العلني على الحكّام والولاة . وسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حافلة مليئة بالإنكار العلني على حُكّام عصره .
ويُنظر : " الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون " جَمْع : محمد عزيز شمس ، وعلي بن محمد العمران . وتقديم الشيخ بكر أبو زيد . والله تعالى أعلم .
***********************************
144-صحة الجرائم الوهابية في حق الآثار النبوية ؟
(...السؤال...)