فقال فيه - رحمه الله - : ودواء هذا الداء القتال أن يعرف إن ما اُبتُليَ به من هذا الداء المضاد للتوحيد ؛ إنما هو مِن جهله وغفلة قلبه عن الله ، فَعَلَيْهِ أن يعرف توحيد ربِّه وسُننه وآياته أولا ، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بم يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه ويُكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه ، وأن يرجع بقلبه إليه وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله ، وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال : ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه ، فإن القلب إذا خلص وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشقُ الصور ؛ فإنه إنما تمكن من قلب فارغ كما قيل :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وليعلم العاقل أن العقل والشرع يوجبان تحصيلَ المصالح وتكميلَها ، وإعدامَ المفاسد وتقليلَها ...
ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية ، بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف ما يُقدّرُ فيه من المصلحة ، وذلك من وجوه :
أحدها : الاشتغال بذكر المخلوق وحبِّه عن حب الرَّبِّ تعالى وذكره ؛ فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه ، ويكون السلطان والغلبة له .
الثاني : عذاب قلبه بمعشوقه ، فإن من أحب شيئا غير الله عُذِّبَ به ولا بُدّ ، كما قيل :
فما في الأرض أشقى من محبٍّ ***** وإن وجد الهوى حلو المذاقِ
تراه باكيا في كل حين ***** مخافةَ فُرقَةٍ أو لاشتياقِ
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ***** ويبكي إن دنو خوفَ الفراق
فتسخن عينه عند الفراق *****وتسخن عينُه عند التلاقِ
والعشق وإن استعذبه صاحبه ، فهو من أعظم عذاب القلب .
الثالث : أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقِهِ يسومه الهوان ، ولكن لِسكرة العشق لا يشعر بمصابه ؛ فقلبه :