وأبو حمزة البغدادي هو الذي يُروى عنه أنه قال : إني لأستحيي من الله تعالى أن أدخل البادية وأنا شبعان ، وقد اعتقدت التوكل لئلا يكون سَعيي على الشِّبع زادًا أتَزَوّده . رواه عنه ابن عساكر في " تاريخ مدينة دمشق " .
قال ابن الجوزي رحمه الله : ذِكْر أشياء عن الصوفية لا يَجوز فِعْلها
والتاسع أنه ذكر أشياء عن الصوفية لا يجوز فعلها فربما سمعها المبتدئ القليل العِلم فظنها حسنة فاحتذاها ، مثل ما روي عن أبي حمزة الصوفي أنه وقع في بئر فجاء رجلان فطماها فلم ينطق ، حَمْلاً لنفسه على التوكل بِزَعمه ، وسكوت هذا الرجل في مثل هذا المقام إعانة على نفسه ، وذلك لا يَحِلّ ، ولو فَهِم معنى التوكل لَعَلِم أنه لا يُنافي استغاثته في تلك الحال ، كما لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة ، واستئجاره دليلا واستكتامه واستكفائه ذلك الأمر ، واستتاره في الغار ، وقوله لِسُراقة : أخْفِ عَنّا .
فالتوكل الممدوح لا يُنال بفعل محذور ، وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه ، وبيان ذلك أن الله عز وجل قد خلق للآدمي آلة يُدَافع بها عن نفسه الضرر ، وآلة يجتلِب بها النفع ، فإذا عَطَّلَها مُدّعيا للتوكل كان جهلا بالتوكل ورَدًّا لِحِكْمة الواضِع . اهـ .
وقال الإمام القرطبي في تفسيره ردًّا على مثل ذلك القول ، حيث يَقول في قَوْلِه تَعَالى : (آَتِنَا غَدَاءَنَا) : فيه مَسْألَة وَاحِدَة ، وهو اتِّخَاذ الزَّاد في الأسْفَار ، وهو رَدّ على الصُّوفِيَّة الْجَهَلَة الأغْمَار ! الذِين يَقْتَحِمُون الْمَهَامِه والقِفَار زَعْمًا منهم أنَّ ذلك هو التَّوَكُّل على الله الوَاحِد القَهَّار ! هذا مُوسَى نَبِيّ الله وكَلِيمه مِن أهْل الأرْض قد اتَّخَذ الزَّاد مَع مَعْرِفَتِه بِرَبِّه وتَوَكُّلِه على رَبِّ العِبَاد .