فأمَرَ تَعَالى بِرَدّ الْمُتَنَازَع فيه إلى كتاب الله وسُنة نَبِيِّه صلى الله عليه وسلم ، وليس لغير العلماء مَعرفة كَيفية الرَّدّ إلى الكتاب والسُّنة ، ويدل هذا على صحة كَون سؤال العلماء وَاجِبًا ، وامْتثال فَتْوَاهم لازِماً .
قال سهل بن عبد الله رحمه الله : لا يَزال الناس بِخير ما عَظَّمُوا السلطان والعلماء ، فإذا عظموا هَذين أصلح الله دنياهم وأخراهم ، وإذا اسْتَخَفُّوا بِهَذين أفْسَد دنياهم وأخراهم .
وفي تفسير قوله تعالى : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا ) .
قال القرطبي رحمه الله : ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) أي : يَسْتَخْرِجُونه ، أي : لَعَلِمُوا ما يَنْبَغِي أن يُفْشَى منه ، وما يَنْبَغِي أن يُكْتَم . اهـ .
سابعها : أن الناس اليوم إذا نَزَلتْ بهم نازلة ، أو حَصَلَتْ لهم مشكلة بادروا بسؤال العلماء ، ولو كان ذلك في جوف الليل !فالذي يقع في مشكلة طلاق يُبادِر بالاتصال بأهل العلم ، يسألهم ويستفتيهم .
ولا يذهب يستفتي جاره أو صاحبه ، ولا يسأل طبيبا أو مهندسا عن مسألة شرعية !وكَما لا يذهب المريض إلى النَّجار طلبًا للعِلاج ، ولا يذهب للخبّاز رغبة في إصلاح سيارته ! كذلك لا يَجوز أن يُستفتَى من ليس أهلاً لذلك .
ثامنها : أن مِن شأن هذا الصنيع أن يُجَعَل الْمُسْتَفْتِي في حيرة !فلو سأل سائل مثلا عن مسألة فقهية ، ثم سُقنا له الآراء الفقهية المتباينة ، بين قول يَقول بالوجوب ، وقول يَقول بالاستحباب وقول ثالث يَقول بالْمَنْع والْحظْر ، ثم تَركْنَاه هكذا ، لأصبح في حيرة مِن أمْرِه .