فقد سمع ابن عمر مزمارا ، فوضع إصبعيه على أذنيه ، ونأى عن الطريق ، وقال لنافع : يا نافع هل تسمع شيئا ؟ قال نافع : فقلت : لا . قال : فرفع إصبعيه من أذنيه ، وقال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا . رواه أبو داود وغيره ، وصححه الألباني .
ومثله ما ورد في هذا الكلام المنقول عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه ، فإن الناقل لم يلتزم أمانة النقل عن سنن البيهقي ، فإنه في سنن البيهقي (10/225) من طريق الزهري قال : أخبرني سليمان أنه حدّثه من لا يَتّهم أنه سمع أبا مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري - وكان قد شهد بدرا ، وهو جد زيد بن حسن أبو أمه - قال سليمان فأخبرني مَن سَمِعَه وهو على راحلته وهو أمير الجيش رافعا عقيرته يتغنى النصب .
وهذا فيه أمران :
الأول : الرواية لا تصحّ لأن فيها من لم يُسمّ ، وهو قوله : " من لا يَتّهم " وهذا عند جمهور المحدّثين لا يُعوّل عليه ، بل هو من قبيل الضعيف .
الثاني : أنه لو صحّ لكان فِعْل صحابي ، وقول الصحابي وفعله إنما يكون حجّة إذا لم يُخالِف النص ، أما إذا خالَف النص أو خالَفه غيره من الصحابة فإنه لا يكون حجّة ، بل الحجة في النصّ عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وفي خلاف الصحابة نظر وترجيح – ليس هذا محلّ بسطه – .
ثم إنه لو صحّ أيضا ، ولم يُخالِف النص فإن المقصود به التغنّي بأبيات ، كما جاء عن بلال رضي الله عنه ، وهو الحال الثانية := أن يُراد بالغناء رفع الصوت بالإنشاد . أي أنه دون آلة ، وليس فيما وَرَد عن الصحابة من ذِكر الغناء أن ذلك كان بواسطة آلة .
روى البخاري من طريق عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وُعِك أبو بكر وبلال ، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول :
كل امرئ مصبح في أهله *** والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول