وأما الإمام الشافعي فقال : أجمع المسلمون على أن من استبان له سُنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحِلّ له أن يدعها لقول أحد . وقال أيضا : إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت .
وقال الإمام أحمد : من ردّ حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلَكَة، وقال أيضا : لا تقلد في دينك أحداً من هؤلاء ، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ فخُذ به .
قال الحميدي : روى الشافعي يوماً حديثاً ، فقلت : أتأخذ به ؟ فقال : رأيتني خرجت من كنيسة ، أو عليَّ زُنّارٌ حتى إذا سمعتُ عن رسول صلى الله عليه وسلم حديثاً لا أقول به .
إلى غير ذلك من أقوالهم الكثيرة المشهورة .
ثانيا : دأب كِبار أتْبَاع الأئمة إلى ترك أقوال الإمام الْمُتَّبَع إذا رأى غيره أرجح منه ، أو كان قول غيره يعضده الدليل ، وسار على هذا المنهج : ابن عبد البر القرطبي ، وكذلك القرطبي في تفسيره ، وكلاهما مالكي المذهب . ابن قدامة ، وهو حنبلي المذهب . النووي حجر ، وهما شافعيان المذهب .
فليس في ترك قول للإمام لِدليل استبان أو لحجّة أقوى – ليس فيه إزراء بالإمام . بل هو من كما اتِّبَاعه ؛ لأنه ما من إمام من الأئمة دعا إلى الأخذ بأقواله في كل مسألة . ولذلك لَمَّا ألّف الإمام مالك كتابه " الموطأ " أراد المنصور أن يُلزِم الناس به فرفض الإمام مالك .
روى ابن سعد أن المنصور لَمَّا حَج دعا الإمام مالك ، قال : فدخلت عليه فحادثته وسألني فأجبته ، فقال : عزمت أن آمر بكتبك هذه - يعني الموطأ - فتُنْسَخ نسخا ثم ابعث إلى كل مِصر من أمصار المسلمين بنسخة ، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ويدعوا ما سوى ذلك من العلم الُْمُحْدَث فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم .