وذَكَر ابن حجر مسالك العلماء في الجمع بين أحاديث النهي وبين أحاديث الإباحة ، فقال في المسلك الثالث : الْجَمْع بَيْن الْخَبَرَيْنِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيل ... وَجَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى تَأْوِيل آخَر وَهُوَ حَمْل النَّهْي عَلَى مَنْ لَمْ يُسَمِّ عِنْد شُرْبه ، وَهَذَا إِنْ سَلِمَ لَهُ فِي بَعْض أَلْفَاظ الأَحَادِيث لَمْ يَسْلَم لَهُ فِي بَقِيَّتهَا . وَسَلَكَ آخَرُونَ فِي الْجَمْع حَمْل أَحَادِيث النَّهْي عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه وَأَحَادِيث الْجَوَاز عَلَى بَيَانه ، وَهِيَ طَرِيقَة الْخَطَّابِيّ وَابْن بَطَّال فِي آخَرِينَ ، وَهَذَا أَحْسَن الْمَسَالِك وَأَسْلَمهَا وَأَبْعَدهَا مِنْ الاعْتِرَاض ، وَقَدْ أَشَارَ الأَثْرَم إِلَى ذَلِكَ أَخِيرًا ، فَقَالَ : إِنْ ثَبَتَتْ الْكَرَاهَة حُمِلَتْ عَلَى الإِرْشَاد وَالتَّأْدِيب لا عَلَى التَّحْرِيم ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ثُمَّ حَرَّمَهُ أَوْ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ جَوَّزَهُ لَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بَيَانًا وَاضِحًا ، فَلَمَّا تَعَارَضَتْ الأَخْبَار بِذَلِكَ جَمَعْنَا بَيْنهَا بِهَذَا . وَقِيلَ إِنَّ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَة الطِّبّ مَخَافَة وُقُوع ضَرَر بِهِ ، فَإِنَّ الشُّرْب قَاعِدًا أَمْكَن وَأَبْعَد مِنْ الشَّرَق وَحُصُول الْوَجَع فِي الْكَبِد أَوْ الْحَلْق ، وَكُلّ ذَلِكَ قَدْ لا يَأْمَن مِنْهُ مَنْ شَرِبَ قَائِمًا . اهـ .
وهذه الأقوال ذكرها ابن القيم في " زاد المعاد " .
وأما حديث النهي عن الانتعال قائما ، فقد رواه أبو داود من حديث جابر رضي الله عنه .
ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
وصححه الألباني في " الصحيحة " .
والله تعالى أعلم .
74-كتاب الاسراء والمعراج
(...السؤال...)