قال القرطبي : وقال حذاق أهل العلم : وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية ، بل يَنهى العصاة بعضهم بعضا . وقال بعض الأصوليين : فَرْض على الذين يتعاطون الكؤوس أن يَنْهَى بعضهم بعضا ، واستدلوا بهذه الآية قالوا لأن قوله : (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ) يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمّهم على ترك التناهي . اهـ .
وقال أيضا :
وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة ، خلافا للمبتدعة حيث تقول : لا يُغَيِّره إلا عَدْل ، وهذا ساقط ، فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عام في جميع الناس . فإن تَشَبَّثُوا بقوله تعالى : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) ، وقوله : (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ونحوه ، قيل لهم : إنما وقع الذمّ ها هنا على ارتكاب ما نَهَى عنه لا على نَهْيِه عن المنكر . اهـ .
قال ابن حجر : ولو كان الآمر مُتَلَبِساً بالمعصية ، لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ، ولا سيما إن كان مُطاعاً ، وأما إثمه الخاص به فقد يغفره الله له ، وقد يؤاخذه به ، وأما من قال : لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وَصْمَة ، فان أراد أنه الأولى ؛ فَجَيِّد ، وإلا فيستلزم سدّ باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره ، ثم قال الطبري : فان قيل : كيف صار المأمورون بالمعروف في حديث أسامة المذكور في النار ؟ والجواب : أنهم لم يمتثلوا ما أُمِرُوا به ، فَعُذِّبوا بمعصيتهم ، وعُذِّب أميرهم بكونه كان يفعل ما ينهاهم عنه . اهـ .
قال المناوي في فيض القدير : ولو توقّف الأمر والنهي على الاجتناب لرُفع الأمر بالمعروف ، وتعطّل النهي عن المنكر ، وانسدّ باب النصيحة التي حثّ الشارع عليها ، سيما في ذا الزمان الذي صار فيه التلبس بالمعاصي شعار الأنام ودثار الخاص والعام . انتهى .