والصحيح أن آية المائدة مُحْكَمة غير منسوخة ، لعدة اعتبارات :
الأول : أن سورة المائدة من آخر ما نزل ، وهي مُحكَمة غير منسوخة ، بل قال بعض العلماء : لم يُنسخ منها شيء .
الثاني : أن الخطاب القرآني يُفرِّق بين أهل الشرك وبين أهل الكتاب ، فإذا ذُكِر أهل الكتاب لم يدخل أهل الشرِّك في الخطاب ، كما تقدّم في كلام القرطبي .
الثالث : عَمَل الصحابة بذلك ، وتتابع عمل الأمة والأئمة على ذلك . قال ابن عبد البرّ : وقد تزوج عثمان بن عفان نائلة بنت الفرافصة الكلبية نصرانية ، وتزوج طلحة بن عبد الله يهودية ، وتزوج حذيفة يهودية وعنده حُرّتان مسلمتان عربيتان . ولا أعلم خلافا في نكاح الكتابيات الحرائر بعد ما ذكرنا إذا لم تكن من نساء أهل الحرب . اهـ .
ثالثاً : حُكم الزواج من نصرانية أو يهودية في هذا الزمان : جائز بشروط :
الأول : أن تكون مُحصَنة ، فإن لم تكن مُحصَنة – كأن تكون معروفة بالزِّنا – فلا يجوز نكاحها ، إذ لو كانت مُسلمة لكان نكاحها مُحرّما بنصّ الكتاب ، فكيف بالكتابية ؟
وآية المائدة جاء فيها النص على المحصنات .
قال ابن عبد البرّ في قوله تعالى : ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) : يعنى العفائف لا من شهر زناها من المسلمات .
الثاني : أن يأمن على نفسه من تغيير دينه ، فإن خاف على نفسه حرُم عليه الزواج من الكتابية .
الثالث : إذا كانت القوّة والغَلَبة للنصارى – كالدّول الأوربية والأمريكية – فإنه يجب عليه أن يشترط في حال الطلاق أن يكون الأولاد أولاده وليس لها عليهم حضانة ، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ، والأم إذا كانت كافرة فقد نص العلماء على أنه لا ولاية لها على أولاد المسلم ، لقوله تعالى : ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) .