والكاتب خَلط في الأسانيد ، ولم يُفصِّل ؛ لأنه لو فصّل لنقض حُجّته .لأنه قال : (زيد بن اسلم رتبته يرسل) ثم قال : (و ايضا لوجود عمر بن ابى عمرو و رتبته ثقة ربما وهم و كذلك المقبرى الذى رتبته تغير قبل موته باربع سنين فى مسلم) .وقد أوْهَم كلامه هذا أن روايات البخاري ومسلم تدور على هؤلاء ، وليس الأمر كذلك .
فإن ثمّت روايات جاءت من طُرُق غير المذكورين – كما سبق سياق روايات مسلم - ، على أن الطعن في المذكورين ليس بِطعن يوجِب التضعيف .وقد تقدّم ما يتعلّق بـ " زيد بن أسلم " ، وأن وصفه بالإرسال ، لا يعني أن كل أحاديثه مُرسَلَة .
وأما قوله : (و كذلك المقبرى الذى رتبته تغير قبل موته باربع سنين) ، فهذا ليس بمطعَن ، فإن كُتُب الرجال ميّزت بين من تغيّر تغيّرا يُترَك لأجله حديثه إذا كان لم يُميّز من أخذ عنه قبل الاختلاط وبعْدَه ، وبين من تغيّر تغيّرا لم يُؤثِّر على حديثه .
وفي تهذيب التهذيب في ترجمة سعيد بن أبي سعيد المقبري : وقال يعقوب بن شيبة : قد كان تغير وكَبُر واخْتلط قبل موته ، يُقال : بأربع سنين . وكان شعبة يقول : ثنا سعيد المقبري بعد ما كبر . وقال الواقدي : اختلط قبل موته بأربع سنين . وقال ابن عدي : إنما ذكرته لقول شعبة هذا ، وأرجو أن يكون من أهل الصدق ، وما تكلم فيه أحدٌ إلاَّ بخير . اهـ .
ومعلوم تحرّي شعبة بن الحجاج ودِقّته في الرواة . ومع ذلك فليس مَدار الرواية عليه حتى تُضعّف . وفَرق بين أن يكون الراوي مُشتَركا بين الروايات ، وبين أن تكون الروايات تَدور على راوٍ ضعيف . وروايات الحديث في الصحيحين فضلا عن غيرها ليست مما يَدور على راو واحد ، مع أنها لو دارت على راوٍ واحد ، وهو ثقة لم يكن في الحديث مطعَن .
فهذه الروايات والأسانيد في أعلى مراتب الصحة ، خاصة إذا انْضَاف بعضها إلى بعض . كيف وهي في الصحيحين ؟ ومعلومة رُتبة أحاديث الصحيحين عند علماء الأمة .