رابعا : أن الدعاء للمسلمين بالهداية والصلاح والرَّدّ الجميل هو الْمُتعيِّن ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو للكفار بالهداية فضلا عن المسلمين .
فقد قَدِم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن دوسا عَصت وأبَت ، فادعُ الله عليها . فقيل : هلكت دوس . قال : اللهم اهدِ دَوسًا وأتِ بهم . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لأحمد : قال أبو هريرة رضي الله عنه : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، فقلت : هلكت دوس ! فقال : اللهم اهدِ دَوسا وائتِ بها .
وهذا الحديث بوّب عليه الإمام البخاري : باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألّفهم .
قال العيني في شرح هذا التبويب : أي : هذا باب في بيان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين بأن الله يهديهم إلى دين الإسلام .
قوله : " ليتألفهم " تعليل لدعائه بالهداية لهم ، وذلك أنه يدعو لهم إذا رَجَا منهم الإلفة والرجوع إلى دين الإسلام ، وقد ذكرنا أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على حالتين :
إحداهما : أنه يدعو لهم إذا أمِن غائلتهم ورَجَا هدايتهم .
والأخرى : أنه يدعو عليهم إذا اشتدت شوكتهم وكَثُر أذاهم ولم يأمَن مِن شَرهم على المسلمين . اهـ .
وهذا القول الفصل في الدعاء على الكفار والمشركين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا على المشركين ، ودعا لهم بالهداية .
ومن باب الدعاء على المشركين الذين كثُر أذاهم وعظُم خطرهم على المسلمين دُعاء عمر رضي الله عنه على كفرة أهل الكتاب الذين يصدّون عن دِين الله ، ويُكذِّبُون رُسُل الله ، ويُقاتلون أولياءه .
فقد كان عمر رضي الله عنه يدعو بهذا الدعاء : اللهم العن كفرة أهل الكتاب ؛ الذين يصدون عن سبيلك ، ويُكذِّبون رُسلك ، ويقاتلون أوليائك . اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين . رواه عبد الرزاق والبيهقي .