فتذكرت عندها قول الله : ( لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون ) .
ولكني ألتمس الحكمة من ذلك ، فإن الحكيم سبحانه منزه عن العبث ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) ؟ ، والحكيم لا يفعل فعلاً ولا يأمر بأمر إلا لحكمة بالغة .
وتذكرت عندها قول الشاعر :
لا تجزعنّ لمكروه تُصاب به ***** فقد يؤدّيك نحو الصحة المرضُ
واعلم بأنك عبدٌ لا فكاك له ***** والعبد ليس على مولاه يعترض
نعم . قد يؤديك المرض نحو الصحة ، وكما قيل :
فربما صحت الأبدان بالعلل .
فكم من مرض ذفع الله به أمراضا كُثُر .
وكم من علة كانت سبب شفاء أمراض أخرى .
فكم محنة في طيها منحة ، ورب علة كانت سبب الصحة ، كما قال ابن القيم - رحمه الله - .
إلى غير ذلك من الحكم البالغة التي لولا خشية الإطالة لذكرت كثيرا منها .
وسوف أذكر لا حقا قصة وقعت قبل سنوات يتبيّن من خلالها أنه ربما كانت العلة والمرض بل ربما كانت المصيبة سببا في الشفاء بلطف الله سبحانه وتعالى .
...............
63-خفافيش الظلام..
الخفافيش يبهرها النور وتأنس بالظُّلْمَة ،
فـ " نور الحق أضوأ من الشمس ، فَيَحِقّ لخفافيش البصائر أن تَعْشُو عنه " كما يقول ابن القيم .ولا عَجَب أن تَرى من الكُتّاب أو من يُحْسَبُون من " المفكِّرين " من أعْمَاه نُورُ الحق فلا يَرى إلا في الظُّلْمَة
لا عجب أن ترى من يُبصر في الظَّلام ، أو يُسمِّي بَلداً من بلاد الكُفر : بَلَد النور !
وهو بَلَد النور - فِعلاً - بالنسبة له !
لأن من حَمَل صِفَة " الخفّاشيّة " لن يَرى في النور ، بل في الظُّلْمَة ، والظَّلام نور بالنسبة له !
لا عَجَب أن ترى " مُثقّفاً " - زَعموا - يَرى القوّة الكامنة في الضعف البشري !
فَخَيط بيت العنكبوت أوهى من الواهي ! ومع ذلك تَراه هي دِرعاً حصيناً !
ولا عَجب إن تَسَاقَط الذُّبَاب فيه ! فأحاطته العنكبوت بخيوطها !
لا ريب أن الذُّباب سَيَرى القوة في تلك الخيوط الواهية !