قال ابن كثير : وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل ، استوخموا أرضهم وأصابهم بها وباء شديد ، فخرجوا فِرارا من الموت هاربين إلى البرية ، فَنَزَلوا واديا أفيح ، فملأوا مابين عدوتيه ، فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي والآخر من أعلاه ، فصاحا بهم صيحة واحدة ، فماتوا عن آخرهم موته رجل واحد ، فَحِيزوا إلى حظائر وُبني عليهم جدران ، وفَنوا وتمزقوا وتفرقوا ، فلما كان بعد دهر مَرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له حزقيل ، فسأل الله أن يحييهم على يديه ، فأجابه إلى ذلك ، وأمره أن يقول : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض ، ثم أمره فنادى : أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما وعصبا وجِلدا ، فكان ذلك وهو يشاهده ، ثم أمره فنادى : أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره ، فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة ، وهم يقولون : سبحانك لا إله إلا أنت ، وكان في إحيائهم عِبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة ، ولهذا قال (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)، أي : فيما يُريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) ، أي : لا يقومون بِشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم .
وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يُغني حَذر مِن قَدر ، وأنه لا ملجأ من الله إلاّ إليه ، فإن هؤلاء خَرجوا فرارا من الوباء ، طلبا لطول الحياة ، فعوملوا بنقيض قصدهم ، وجاءهم الموت سريعا في آن واحد .
فائدة :