وأما الآية الثانية فإنها فيمن أمر الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي أوجب عليهم الصدقات بأن يقول لهم : اعملوا ما أمركم الله به من الطاعات كالصلوات والصدقات ، فإن الله ورسوله والمؤمنين يَرون ذلك ، وهذه الأعمال مما تُرى بالعين خلاف أعمال المنافقين التي تقتضي لهم النفاق لإضمارهم ، وهو مما لا يُرى بالعين ، وإنما يَعلمه عالِم الغيب ، فلذلك لم يُذكر المؤمنون في الأولى ، وذُكِروا في الثانية .
الجواب عن المسألة الثانية :
إن معنى قوله للمنافقين : (لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) أي : سيَعلم الله حقيقة عملكم ، وأنه من غير صحة اعتقاد منكم ، وأن اعتذاركم قول بلسانكم لا يُطابِقه منطوى ضميركم ، وهذا ظاهر بكون الجزاء عليه خلافه ، ففصَل بينه وبين ردّهم إلى الله تعالى للجزاء عليه بقوله : (ثُمَّ تُرَدُّونَ) أي : عَملكم يَعلم الله مِن باطِنه خلاف ظاهره ، وقد أُمِرنا بالرضاء به ، وحَقْن دمائكم له ، ثم إن الْحُكم إذا رُددتم إلى الله تعالى في الآخرة بخلافه ، فلِبُعد ما بين الظاهر من عملهم وما يُجازون به دَخَلتْ " ثم " ، وليست كذلك الآية الأخيرة ؛ لأن ما قبلها بعثا على عمل الخير ، لقوله : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) وهذا وعْد ، والأول وَعيد ، وبعده (وَسَتُرَدُّونَ ) لأنه وَعْد مما يُشاكِل أفعالهم ، ويُطابِق أعمالهم من حُسن الثواب وجميل الجزاء ، ولم يَبْعُد عنها كَبُعْد جزاء المنافقين عما هو ظاهر من أعمالهم التي يُراؤون بها ، ويَعلم الله تعالى خلافها منهم ، فَجَرى الكلام على نسق واحد ، فقال : فَسَيَرى الله عملكم وستُردّون ، ولم يُدخِل " ثم " التي هي للتراخي والتباعد ، فاختصاص كل موضع بما اختصّ به من اللفظ لما ذَكَرْنا .
180-حفظ القرآن للمشاركة في مسابقة.