الاختبار بِهم ، وَسَمَّاهم عَدُوًّا في قوله : (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) اعتبارا بما يتولّد منهم ، وجعلهم زينة في قوله : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) الآية ، اعتبارا بأحوال الناس في تزينهم بهم ، وقوله : (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) ، أي : لا يُخْتَبَرون ، فَيُمَيَّز خبيثهم مِن طَيبهم ، كما قال : (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) ، وقوله : (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) ، فإشارة إلى ما قال : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) الآية ، وعلى هذا قوله : (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ) .
والفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى ومن العبد ، كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب ، وغير ذلك من الأفعال الكريهة ، ومتى كان مِن الله يكون على وَجْه الحكمة ، ومتى كان من الإنسان بغير أمْر الله يكون بِضِدّ ذلك ، ولهذا يَذِمّ الله الإنسان بأنواع الفتنة في كل مكان ، نحو قوله : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) ، (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ) ، (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) ، أي : بِمُضِلِّين ، وقوله : (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) قال الأخفش : المفتون الفتنة ، كقولك ليس له معقول ، وخُذ مَيسوره ودع مَعسوره ، فتقديره : بأيكم الفُتُون ، وقال غيره : أيكم المفتون والباء زائدة ، كقوله : (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) ، وقوله : (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) ، فقد عُدِّي ذلك بِـ " عن " تَعْدِية خَدَعوك لِمَا أشار بمعناه إليه .
وقال ابن الجوزي :
باب الفتنة :