وقال القرطبي : قوله تعالى : (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) " مَا " نَفِي ، والوَاو للعَطْف على قَولِه : (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) ، وذلك أنَّ اليَهُود قَالُوا : إنَّ الله أنْزَل جِبْرِيل ومِيكَائيل بالسِّحْر ؛ فَنَفَى الله ذلك ، وفي الكَلام تَقْدِيم وتَأخِير ، التَّقْدِير : ومَا كَفَر سُلَيمَان ومَا أُنْزِل على الْمَلَكَين ، ولكِنَّ الشَّياطِين كَفَرُوا يُعَلِّمون النَّاس السِّحْر بِبَابِل هَارُوت ومَارُوت ؛ فَهَارُوت ومَارُوت بَدَل مِن الشَّياطِين في قَوله : (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) . هذا أوْلَى ما حُمِلَتْ عليه الآية مِن التَّأويل ، وأصَحّ ما قِيل فِيها ، ولا يُلْتفَت إلى سِواه ؛ فالسِّحْر مِن اسْتِخْرَاج الشَّياطِين لِلَطَافَة جَوْهَرِهم ودِقّة أفْهَامِهم . اهـ .
ورجّح القاسمي كون " ما " نافية ، وأنَّ هَارُوت ومَارُوت كَانا رَجُلَين مُتَظَاهِرَين بالصَّلاح . فقال : اعْلَم أنَّ للعُلَمَاء في هذه الآية وُجُوهًا كَثيرة ، وأقْوالاً عَديدة ؛ فمنهم مَن ذَهَب فيها مَذْهب الأخْبَارِيين نَقَلة الغّثّ والسَّمِين ، ومِنهم مَن وَقَفَ مَع ظَاهِرِها البَحْت وتَمَحَّل لِمَا اعْتَرَضَه بِمَا الْمَعْنَى الصَّحِيح في غِنى عَنه ، ومِنهم مَن ادَّعَى فِيها التَّقْدِيم والتَّأخِير ، ورَدّ آخِرَها على أوّلها ، بِمَا جَعَلها أشبَه بالألْغَاز والْمُعَمَّيَات ، التي يَتَنَزَّه عنها بَيان أبْلَغ كَلامِهم ، إلى غير ذلك مما يَرَاه الْمُتَتَبِّع لِمَا كُتِب فيها .