عابس الغفاري - أنه قال : يا طاعون خذني ، فقال له عليم الكندي : لِمَ تقول هذا ؟ ألم يَقُل رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يتمنين أحدكم الموت ؟ فقال : أني سمعته يقول : بادروا بالموت سِتّاً : إمرة السفهاء ، وكثرة الشرط ، وبيع الحكم ... الحديث . وأخرج أحمد أيضا من حديث عوف بن مالك نحوه ، وأنه قيل له : ألَم يَقُل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما عُمِّرَ المسلم كان خيرا له ؟ الحديث ، وفيه الجواب نحوه ، وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة ، وفيه : وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون . اهـ .
وتمنّي الموت فِرارا بالدِّين وخشية من الفِتنة له أصل في قوله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى يَمُرّ الرجل بقبر الرجل فيقول : يا ليتني مكانه . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يَمُرّ الرجل على القبر فيتمرّغ عليه ، ويقول : يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر ، وليس به الدَّيْن إلا البلاء .
قال الإمام القرطبي : تمنت مريم عليها السلام الموت من جهة الدِّين لوجهين :
أحدهما : أنها خافت أن يُظن بها الشر في دينها ، وتعير فيفتنها ذلك .
الثاني : لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى ، وذلك مهلك ، وعلى هذا الحدّ يكون تمنى الموت جائزا . اهـ .
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) :فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة ، فإنها عَرَفَتْ أنها ستُبتلي وتُمتحن بهذا المولود الذي لا يَحْمِل الناس أمرها فيه على السداد ، ولا يُصدقونها في خبرها ، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية ، فقالت : ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا ) أي قبل هذا الحال ( وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) أي لم أخلق ولم أك شيئا . اهـ .