وأما قوله تعالى : (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) فهو لا يتعارض مع ما عمِله له أولاده بعد مماته ، لعدّة اعتبارات :
الأول : أن هذه الآية ضمن سياق آيات ، حيث جاء قبلها : (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) .
وهذا يعني أن هذا من شرع ما قبلنا ، ولذلك قال ابن عباس : هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) فأدْخَلَ الأبناء الجنة بصلاح الآباء . وقال عكرمة : كان ذلك لِقَومِ إبراهيم وموسى ، فأما هذه الأمة فلهم ما سَعَوا وما سَعَى لهم غيرهم ، لما رُوي أن امرأة رفعت صبياً لها فقالت : يا رسول الله ألهذا حج ؟ قال : نعم ، ولك أجر [رواه مسلم ] وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي افتلتت نفسها ، فهل لها أجر إن تَصَدَّقْتُ عنها ؟ قال : نعم . ذكر هذا البغوي في تفسيره .
الثاني : أن هذا خاص بالكافر دون المؤمن . قال الربيع بن أنس : (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) يعني الكافر ، فأما المؤمن فَلَه ما سعى وما سُعِيَ له . قيل : ليس للكافر من الخير إلا ما عمل هو فيُثاب عليه في الدنيا حتى لا يَبْقَى له في الآخرة خير . نَقَلَه البغوي أيضا .
ويَدل عليه ما رواه مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يُعطى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عَمِل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها .
الثالث : إن الولد من كسب أبيه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إن أطيب ما أكلتم من كسبكم ، وإن أموال أولادكم من كسبكم . رواه الإمام أحمد وغيره .