ففي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار . وقال المهاجري : يا للمهاجرين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال دعوى الجاهلية ؟ قالوا : يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال : دعوها فإنها منتنة .
فالنبي صلى الله عليه وسلم اعتبرها من ددعاوى الجاهلية عِلما بأن الانتساب إلى شيء محمود ، وهو الهجرة والنُّصْرَة : يا للأنصار .. يا للمهاجرين ..
وقال عليه الصلاة والسلام : من قُتِل تحت راية عُمِّيَّة ، يدعو عصبية أو ينصر عصبية ، فَقُتِل فَقِتْلَةٌ جاهلية . رواه مسلم .
وإنما يُذمّ في هذا الباب أحَد أمْرَين :
الأول : أن يتعصّب لِقَبِيلته بحيث يَكون معها في الخير والشرّ ، على حد قول الشاعر : وما أنا إلاَّ مِن غُزية إن غَوَتْ *** غَويت ، وإن تَرْشُد غُزية أرْشُد !
الثاني : أن يَحمِل هذا الحب للقبيلة صاحِبه على ازْدِراء الناس واحتِقارهم ؛ فهذا ضَرْب مِن الكِبر ، ونوع مِن الخيلاء ، وهو دَعْوى الجاهلية التي جاء الإسلام بِذمِّها .
فإذا كان الانتِساب للقبيلة وحُبّها يَحْمِل صاحبه على الطَّعن في أنساب الناس ، أو التفاخُر عليهم بِحيث يَتعالَى عليهم ؛ فهذا مِن أمور الجاهلية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بقائها في الناس .
قال عليه الصلاة والسلام : أربع في أُمَّتي مِن أمْر الجاهلية لا يتركونهن : الفَخْر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة . رواه مسلم .
وأما كُرْه بعض القبائل ، فإن كان لِشيء تُعاب به القبيلة مِن أمور الجاهلية ، فَلَه وَجْه . وإن كان لِغير ذلك ، فلا وَجْه له .