ولعلّك - رعاك الله - على ذِكرٍ من قِصةِ أبي بكر - رضي الله عنه - عندما سابّه شخصٌ فنَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السّماءِ يُكَذّبُ السابّ بِمَا قَال .
فهل رأيتَ أفضل من أن يُدافعَ عنك مَلَكٌ من ملائكة السماء .
أما إذا انتصرت لنفسِك وُكِلتَ إليها وتخلّى عنك المَلَك وتدخّل الشيطان .
وهذا يظهرُ جلياً في قوله عليه الصلاة والسلام لأبي بكر : فَلمّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشّيْطَانُ .
وهذا ابن عمر رضي الله عنهما أراد أن يلعنَ خادماً ، فقال : اللهم الع ، فلم يُتِمّها ، وقال : إنها كلمةٌ ما أُحُّب أن أقولها .
وأخرج عبدالرزاق عن سالم قال : ما لعنَ ابنُ عمر خادماً قط ، إلا واحداً فأعتقه .
وأخرج الخرائطي عن زيد بن أسلم قال : جعلَ رجلٌ يسُبُّ ابنَ عمر ، وابنُ عمرَ ساكت فلما بلغ باب داره التفت إليه فقال : إني وأخي عاصماً لا نسُبُّ الناس .
إنها التربيةُ النبوية ، والسيرةُ العُمَريّة .
والسِّباب يخدِشُ الصيام ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : وإِذا كانَ يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرفُثْ ولا يَصخَب ، فإِن سابّهُ أحدٌ أو قاتَلهُ فلْيَقُلْ إِني امرؤٌ صائم " . متفق عليه من حديث أبي هريرة .
ففيه إشعارٌ للآخرين بأنه صائم ، وليس لديه استعدادٌ للسبِّ أو الشتم .
وفيه تربية للنفس بكبح جماحجها وتعويدها على كظم الغيظ .
وهذا في حقيقته من دروس الصيام التي ينبغي أن يتربّى عليها المسلم ليس في رمضان فحسب ، بل في جميع العام .
وفي حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " من لم يَدَع قولَ الزّور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ أن يَدَع طعامَهُ وشرابه " . رواه البخاري .
وبوّب عليه البخاري في صحيحه : باب قولِ الله تعالى: ( وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزّورِ ) .
قال العلماء : الجهل : أي السفاهة ، وعدم الحلم ، مثل الصخب في الأسواق ، والسب مع الناس .