هكذا إذن استطاع حزب الله بفرادة قتاله واستراتيجياته أن يلحق بإسرائيل هزيمة عسكرية منكرة، فقد أمطر مدنها ومستعمراتها ومنشآتها وقواعدها العسكرية بآلاف الصواريخ، وأوقع قواتها بعشرات الكمائن وحاصرها في عديد المواقع وأهان بحريتها وحطم كبريائها وطحن ما تبقى لديها من هيبة الردع والتخويف المزعومتين، ولاحق الساسة في العالم العربي والأوروبي والأمريكي فخرب مخططاتهم السياسية والأمنية للمنطقة وأظهر إسرائيل أنها نمر من ورق لو جدت من يعد لها ويقاتلها. لقد أثبت حزب الله أنه أقوى من مجموع الجيوش العربية قاطبة وأنه فرض طرح السؤال الكبير: ماذا لو توفر للساسة العرب إرادة سياسية وتبنوا حربا ضد إسرائيل على شاكلة حرب العصابات على الأقل وطبقت تجربة حزب الله بإقامة شبكات الأنفاق والتحصينات الدفاعية والهجومية واصطفت راجمات الصواريخ وانتشر المقاتلون على طول الحدود مع إسرائيل، فهل تستطيع إسرائيل الصمود؟ وهل ستنجو مستعمرة أو مدينة من القصف؟ وهل سيبقى العرب هم النازحون والمهجرون والمقتولون والمدمرة بيوتهم وحدهم دون إسرائيل؟ بل هل يبقى من مبرر لوجود إسرائيل؟ ولعصابات القتل فيها؟
- السرية والأمن. تميز البناء اللوجستي لحزب الله بقدرته الهائلة على إخفائه لكافة المظاهر العسكرية له عن أعين المجتمع المدني، وأقام دفاعاته وتحصيناته بسرية مدهشة، وهي تجربة تستحق الدراسة بامتياز، إذ أن التحصينات الاستراتيجية والعمل بها ونقل العتاد والأسلحة والمنظومات الصاروخية وتحرك الشاحنات والآليات من شأنها أن تثير ريبة العملاء وعيون العدو وأجهزة الاستخبارات المنتشرة هنا وهناك فضلا عن التجسس الجوي والفضائي، وهو ما يثير ألف سؤال وسؤال: كيف استطاع حزب الله القيام بهذا العمل في فترة وجيزة؟ وكيف لم يتحقق ولو اختراق واحد؟ بل أن حزب الله استطاع خداع كل أجهزة الاستخبارات العالمية في قدرته الفائقة على التواري والتمويه مظهرا لبنان كأفضل بلد سياحي عربي يحقق سنويا ما يزيد عن أربع مليارات دولار من قطاع السياحة، ومن المؤكد ما كان لمثل هذا القطاع أن ينتعش لو ترافق مع احتكاكه بالمظاهر المسلحة في الشوارع والمناطق والأحياء. ومن الطريف حقا أن أحدا لم يدرك هذه الاستراتيجيا وهي أمام أعينه بما في ذلك إسرائيل التي ارتكبت حماقة العمر في مهاجمة حزب الله وسط فشل استخباري غير مسبوق في تاريخ نشأتها.
- وضوح العدو. لقد اتضح لكل مراقب أن حزب الله عمل كمقاومة تتمتع بمصداقية عالية ضد إسرائيل فقط، ولطالما أعلن أن المقاومة ليست موجهة ضد المجتمع اللبناني ولا ضد الجيش ولا ضد الدولة ولا ضد التركيبة الطائفية للبلد، ولم يكن كما تروج إسرائيل وأمريكا وبعض الدول الأوروبية دولة داخل الدولة. ولم يقف حجر عثرة أمام طموح الدولة وبسط سيطرتها ولم يمانع حتى في وضع سلاحه على طاولة الحوار الوطني، فخشيته من الخارج وليس من الداخل، ووظيفته ووجوده مكرسان للمساهمة في حماية لبنان وأمنه وليس لحماية طائفة بعينها، وهو يعرف أنه يعمل في بيئة طائفية متنوعة تقاس توازناتها بمقياس بالغ الدقة لدرجة أن أي خلل في الحسابات قد يؤدي إلى حرب أهلية وانفجار اجتماعي. وليس صحيحا أن إيران قادرة على اللعب في الساحة اللبنانية وفق حساباتها وحدها بعيدا عن التشكيلة الداخلية وتحالفاتها وتوازناتها. وفعلا