مرارة النصر تطارد حزب الله
د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي متخصص
drakramhijazi@yahoo.com
العصر - 14/ 8 /2006
هكذا إذن وضعت واحدة من أشد الحروب وحشية ضد الإنسانية أوزارها، حرب لا يمكن المرور عليها مر الكرام، فهي غريبة وعجيبة ودموية ومباغتة ومدهشة، هي حرب ينبغي التوقف فيها عند كل صغيرة وكبيرة. فللعسكري فيها رأي وللإعلامي رأي وللباحث رأي وللجندي رأي ولكل ذي شأن فيها شأن ولا يتسع المجال لذكر كل شيء وليس من حق أي كان أن يزعم منفردا أنه أحاط بها. ولكننا في هذه المقالة، ومن وجهة نظر موضوعية لا عقدية، سنكتب عن الانطباعات الحاسمة والتي هيمنت على العقل العربي تحديدا دون غيره في عدة مواضع نعتقد أنها تمثل جواهر تستحق النظر والتقييم.
في المشهد السياسي ثمة نقطتين في المشهد السياسي للحرب تثيران الدهشة، الأول ظهرت فيه إسرائيل أداة صرفة بيد الولايات المتحدة الأمريكية التي كلفتها بخوض حرب بالوكالة للمرة الأولى وبصورة فجة تحت غطاء سياسي شامل وبصلاحيات واسعة شلت كل حركة سياسية لكافة المؤسسات الدولية وللمنظمات الحكومية وغير الحكومية وحتى للحكومات بما فيها حكومة إسرائيل التي خضعت بالكامل لسيطرة الجيش وتوجيهاته، هي حرب منعت فيها الولايات المتحدة مجلس الأمن من الانعقاد أو طلب وقف إطلاق النار أو إدانة العدوان كما منعت الأمين العام للأمم المتحدة من التدخل، بل ومنحت إسرائيل الفرصة تلو الفرصة لإطالة أمد الحرب ووقفت وحدها ضد العالم شاء من شاء وأبى من أبى. وراحت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس تكشف عن أهداف الحرب الحقيقية وهي ولادة الشرق الأوسط الجديد وتشكيله على الهوى الأمريكي فظهرت الخريطة الشهيرة ثم بعد بضعة أيام سربت خمسة خرائط أخرى كلها تشتمل على تغييرات جيوبولوتيكية للمنطقة، ولتبرير الحرب وتشريعها وتهدئة خواطر المحرجين والمعارضين والساعين إلى تخفيف حدة الحرب التي اشتهرت بالحرب المجنونة قالت رايس بأن هذه الآلام هي آلام المخاض العسير للولادة، وكان من الممكن أن يكون كلام الوزيرة معقولا لولا أنها لم تتزوج ولم تنجب في يوم ما لتتذوق طعم المخاض فصرحت بما لا تدري به وما لم تشعر بآلامه وتبين فيما بعد أنها تعاني من حمل كاذب. ولأنه كذلك فعلا وحقيقة على خلفية المفاجئات الصاعقة التي أوقعها حزب الله في الميدان فقد امتنعت عن زيارة لبنان وباتت على قناعة بضرورة وقف القتال بعد هزيمة الجيش الإسرائيلي، فأوفدت نائبها لشؤون الشرق الأوسط ديفيد وولش الذي كان يصل في جولات مكوكية وهو متجهم الوجه يغشيه الخزي والشعور بالذل والعار والفشل لاسيما بعد التوافق الأمريكي الفرنسي على مشروع قرار كان من المألوف أن يمر وبالشروط الأمريكية