تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)

وقد شبهت بأكل اللحم لما فيها من تمزيق الأعراض المشابه لأكل اللحم وتمزيقه، وقد جاء هذا على نهج العرب في كلامهم. قال المقنّع الكندي:

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

وقد زادت الآية فجعلت اللحم لحم أخ ميت تصويرا له بصورة بشعة تستقذرها النفوس جميعا.

سمع علي بن الحسين رضي الله عنهما رجلا يغتاب آخر فقال: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس،

وقيل لعمرو بن عبيد: لقد وقع فيك فلان حتى رحمناك، قال: إياه فارحموا.

وقال رجل للحسن البصري: بلغني أنك تغتابني، فقال: لم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي.

وقد ثبت في الصحيح من غير وجه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال حين خطب في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا».

(إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) أي إن الله يتوب على من تاب إليه عما فرط منه من الذنب، رحيم به أن يعذبه بعد توبته.

ويجب على المغتاب أن يبادر إلى التوبة حين صدورها منه، بأن يقلع عنها ويندم على ما فرط منه، ويعزم عزما مؤكدا على ألا يعود إلى مثل ما فرط منه.

ولا تحرم الغيبة إذا كانت لغرض صحيح شرعا لا يتوصل إليه إلا بها، وينحصر ذلك في ستة أمور:

(1) التظلم، فلمن ظلم أن يشكو لمن يظن أنه يقدر على إزالة ظلمه أو تخفيفه.

(2) الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته.

(3) الاستفتاء، فيجوز للمستفتي أن يقول للمفتي: ظلمني فلان بكذا فهل يجوز له ذلك.

(4) تحذير المسلمين من الشر كجرح الشهود والرواة والمتصدّين للافتاء مع عدم أهليتهم لذلك، وكأن يشير وإن لم يستشر على مريد التزوج أو مخالطة غيره في أمر ديني أو دنيوي ويقتصر على ما يكفي، فإن احتاج إلى ذكر عيب أو عيبين ذكر ذلك.

(5) أن يجاهروا بالفسق كالمدمنين على شرب الخمور وارتياد محالّ الفجور، ويتباهوا بما يفعلون.

(6) التعريف بلقب أو نحوه، كالأعور والأعمش ونحو ذلك إذا لم تمكن المعرفة بغيره.

والأمة مجمعة على قبح الغيبة وعظم آثامها مع ولوع الناس بها حتى إن بعضهم ليقولون: هي صابون القلوب، وإن لها حلاوة كحلاوة التمر، وضراوة كضراوة الخمر.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي) · الصفحة ٨٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي)ص ٨٧٠