تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ... (11)

وأتى بالجمع في الموضعين، من قبل أن الأغلب في السخرية أن تكون في مجامع الناس، وكم من متلذذ بها، وكم من متألم منها.

روى الترمذي عن عائشة قالت: حكيت للنبي صلّى الله عليه وسلّم رجلا فقال:

«ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا، قالت فقلت يا رسول الله إن صفية امرأة وقالت بيدها هكذا تعني أنها قصيرة، فقال: لقد مزحت بكلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».

وروى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»

وفي هذا إيماء إلى أن المرء لا يقطع بمدح أحد أو عيبه كما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا منه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية.

(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة على وجه الخفية.

وفي قوله: «أنفسكم» تنبيه إلى أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن يعيب غيره لأنه كنفسه، ومن ثم قال النبي صلّى الله عليه وسلم:

«المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمّى»

وقيل: من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. قال الشاعر:

لا تكشفن من مساوي الناس ما ستروا ... فيهتك الله سترا عن مساويكا

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي) · الصفحة ٨٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي)ص ٨٦٩