تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ... (116)

والخلاصة - إن اتخاذ إله من دون الله يراد به عبادة غيره سواء أكانت خالصة لغيره أو شركة بينه وبين غيره ولو بدعاء هذا الغير والتوجه إليه ليكون واسطة عنده.

وقد نعى الله عليهم اتخاذ المسيح إلها في مواضع عدة من هذه السورة، وعبادة أمه كانت معروفة في الكنائس الشرقية والغربية، ثم أنكرت عبادتها فرقة البروتستانس (إصلاح المسيحية) التي جاءت بعد الإسلام بزمن طويل.

وهذه العبادة منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء على المعبود، ومنها ما هو استغاثة واستشفاع، ومنها ما هو صيام ينسب إليها ويسمى بصيام العذراء، وكل أولئك يقترن بخشوع وخضوع لذكرها ولصورها وتماثيلها واعتقاد السلطة الغيبية لها وأنها تنفع وتضر في الدنيا والآخرة إما بنفسها أو بواسطة ابنها ويسمونها (والدة الإله).

والآية ترشد إلى أنهم اتخذوها هي وابنها إلهين (والاتخاذ غير التسمية) فيصدق بالعبادة وهي واقعة حتما.

(قالَ سُبْحانَكَ) التسبيح تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، وأصل الكلمة من السبح والسباحة، وهي الذهاب السريع البعيد في البحر أو البر ومنه فرس سبوح.

أي أنزهك يا الله عن أن يكون معك إله آخر، وبذا أثبت له التنزيه عن المشاركة في الذات والصفات.

ثم انتقل من هذا إلى تبرئة نفسه العالمة بالحق عن قول ما ليس بحق فقال:

(ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) أي ليس من شأني ولا مما يصح أن يقع مني أن أقول قولا لا حق لي أن أقوله، لأنك أيدتنى بالعصمة عن مثل هذا القول الباطل.

وهو بتنزيهه الله أوّلا أثبت أن ذلك القول الذي نسب إليه قول لا شائبة فيه من الحق وليس من شأنه ولا مما يقع من مثله.

وقد أكد هذا النفي مرة أخرى بحجة أخرى ارتقى فيها من برهان راجع إلى نفسه وهو عصمته عليه السلام إلى برهان أعلى راجع إلى ربه علام الغيوب فقال:

(إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) أي إن ذلك القول إن كان قد صدر مني فقد علمته، إذ علمك واسع محيط بكل شيء، فأنت تعلم ما أسره وأخفيه في نفسي فكيف لا تعلم ما أظهرته ودعوت إليه وعلمه مني غيري؟

كما أني لا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية التي لا ترشدني إليها بالكسب والاستدلال، لكني أعلم ما تظهره لي بالوحي بواسطة ملائكتك المقربين إليك.

(إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أي لأنك أنت المحيط بالعلوم الغيبية وحدك، ما كان منها وما سيكون وما هو كائن، وعلم غيرك مستمد من فيضك لا من ذاته، فهو إما أن يناله بواسطة المشاعر والحواس أو العقل، وإما أن يتلقاه هبة منك بالوحي والإلهام.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي) · الصفحة ٢٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي)ص ٢٧٢