الثانية : تقرر أن البخاري لا يعيد الحديث إلا لفائدة ، لكن تارة تكون في المتن ، وتارة في الإسناد ، وتارة فيهما ؛ وحيث تكون في المتن خاصة لا يعيده بصورته ، بل يتصرف فيه ، فإن كثرت طرقه أورد لكل باب طريقاً ، وإن قلَّتْ اختصر المتن أو الإسناد) .
وانظر (اختصار الحديث) .
تقوية الحديث بمجموع طرقه :
بعض الأحاديث لا تصح أسانيدها بذاتها ولكنها تصح بتعضيد طرقها الأخرى لها وشهادتها بسلامتها من مقتضِي ردِّها ؛ وقد كان عمل علماء العلل في هذا الباب منضبطاً بموازين دقيقة يعجز عن إدراكها من لم يشركهم في فنهم ؛ ولكن المتأخرين أو أكثرهم لم يحصلوا على هذه الموازين ، أو لم يحصلوا إلا على شيء يسير من أصولها ، ومع ذلك تجرأ كثير منهم فتوسعوا في الحكم على الأحاديث وتساهلوا في أكثر أحكامهم عليها، ومن ذلك تساهلهم في تقوية الأحاديث بمجموع طرقها ، فصححوا أو حسنوا مئات من الأحاديث التي حقها أن تُرد أو يُتوقف عن تصحيحها ، وهذا صنيع غير محمود ؛ والله المستعان .
جاء في (تهذيب الكمال) (15/493): (قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيراً مما أكتب اعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض).
وأسند البيهقي في (السنن الكبرى) (2/142) عن عثمان بن سعيد الدارمي قال: (سمعت أحمد بن حنبل يقول: أحاديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، و(لا نكاح إلا بولي)، أحاديث يشد بعضها بعضاً وأنا أذهب إليها).
أقول : يؤخذ من هذين الخبرين أن الإمام أحمد ممن يقول بتقوية الحديث بكثرة طرقه في الجملة، وإن كان له في ذلك ـ ولا بد ـ شروط مقررة عنده.