تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وحينئذ فيستحب له تحقيق الخط ، وهو أن يميز كل حرف بصورته المميِّزة له ، بحيث لا تشتبه العين الموصولة بالفاء أو القاف ، والمفصولة بالحاء أو الخاء ؛ وقد قال علي رضي الله عنه لكاتبه : أطل جلفة قلمك وأسمنها ، وأيمن قطتك وحرِّفها ، وأَسْمعني طنين النون وخرير الخاء ، أسمن الصاد وعرج العين ، واشقق الكاف ، وعظم الفاء ، ورتل اللام ، واسلس الباء والتاء والثاء ، وأقم الواو على ذنبها ، واجعل قلمك خلف أذنك فهو أجود لك ؛ رواه الخطيب وغيره(1) .

وليس المراد أن يصرف زمنه في مزيد تحسينه وملاحة نظمه ، لحصول الغرض بدونه ، بل الزمن الذى يصرفه في ذلك يشتغل فيه بالحفظ والنظر ؛ وليست رداءة الخط التي لا تفضي إلى الاشتباه بقادحة ، إنما القادح الجهل ؛ ولذا بلغنا عن شيخنا العلامة الرباني الشهاب الحِنّاوي أن بعضهم رآه يلازم بعض الكُتّاب في تعلم صناعته ، فقال له : أراك حسن الفهم فأقبلْ على العلم ودع عنك هذا ، فإن غايتك فيه أن تصل لشيخك ، وهو كما ترى معلم كتاب ، أو نحو هذا ، وأوشك إن اشتغلت بالعلم تسود في أسرع وقت ؛ قال : فنفعني الله بذلك ، مع براعته في الكتابة أيضاً .

ونحوه من رأى البدر البَشْتَكي عند بعض الكتاب ورأى قوة عصبه وسرعة كتابته ، فسأله : كم تكتب من هذا كل يوم ؟ فذكر له عدة كراريس ؛ فقال له : الزم هذا وأترك عنك الاشتغال بقانون الكتاب ، فإنك - ولو ارتقيت - لا تنهض في الكتابة كل يوم بما تحصله من كتابتك الآن ؛ فأعرض عن التعلم ففاق في سرعة الكتابة .

ومحل ما زاد على الغرض من ذلك محل ما زاد على الكلام المفهوم من فصاحة الألفاظ ؛ ولذلك قالت العرب : حُسن الخط إحدى الفصاحتين ؛ وما أحسن قول القائل :

اعذر أخاك على رداءة خطه**واغفر رداءته لجودة ضبطه

والخط ليس يراد من تعظيمه*****ونظامه إلا إقامة سمطه

فإذا أبان عن المعاني خطُّه****كانت ملاحتُه زيادةَ شرطه).

(1) ينظر سنده ، فإن هذا المتن لا يخلو من غرابة .

لسان المحدثين · الصفحة ٣٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ٣٩٤