التحقيق في هذه المسألة أن الاضطراب يُحكم به على الأقل ضبطاً من الطرفين ؛ فإن كان الشيخ أوثق منهم فالاضطراب منهم ، وإن كانوا هم الأوثق فالاضطراب منه . وأما إن تفاوت اولئك الرواة عن ذلك الشيخ في قوتهم في الرواية فليس حديثهم من باب المضطرب ، وإنما هو من باب الشاذ - أو المنكر - والمحفوظ .
وهكذا يقال فيما لو انفرد راو عن راو بحديث رواه عنه على أوجه متعددة مضطربة فإن الحمل فيه على أضعفهما ، فإن تساويا فالحمل فيه على المتأخر منهما .
الثالثة : مما يحسن لفت الأنظار إليه في هذا الموضع هو أن الاضطراب أكثر ما يقع في حديث الضعفاء والمتروكين(1) ؛ وأما الاضطراب في حديث الثقات المتقنين فقليل جداً ؛ والباحث البارع لن يعدم قدرة على الترجيح بين أحاديث الثقات إذا ما اختلفت ؛ ولذا فإنه لمن النادر وقوعه أن تجد حديثاً ورد بأسانيد صحيحة ورده علماء الحديث لاضطراب راويه أو رواته ولعدم قدرتهم على الترجيح بين تلك الروايات .
الرابعة : يوجد من المعاني والدلائل في تنوع طرق الحديث عند الراوي الضعيف أو المجهول ، أو المقل ، ما ليس موجوداً في ذلك عند الحافظ المتبحر في الجمع المتوسع في الاطلاع ؛ قال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (2/216) في حديث النهي عن صوم السبت في غير الفرض - بعد شيء ذكره في تخريجه - ما نصه :
(تنبيه : قد أُعل حديث الصماء بالمعارضة المذكورة ، وأُعل أيضاً بالاضطراب .
فقيل هكذا [أي كما كان ذكره] .
وقيل : عن عبد الله بن بسر ، وليس فيه "عن أخته الصماء" ، وهذه رواية ابن حبان ؛ وليست بعلة قادحة فإنه أيضاً صحابي .
وقيل : عنه عن أبيه بسر.
وقيل : عن الصماء عن عائشة .
قال النسائي : هذا حديث مضطرب .
(1) وقد كثر في كلام كثير من قدماء النقاد وصفهم الراوي الضعيف بقولهم : (مضطرب الحديث) .