الفصل السابع: في التنبيه على مسائل أخرى غير ما ذُكر
( 1 )
بيان أهم أسباب إيثار القدماء ، أحياناً ، الكلمةَ ذات المعنى الواسع على غيرها
ينبغي أن يعلم أن من تثبت العلماء قديماً إيثارهم في كثير من الأحيان الكلمة الواسعة إذا أدت المعنى المراد على الكلمة الضيقة المحددة ، مثال ذلك : لفظة ( لا يحتج به ) من ألفاظ التجريح ، وهي تطلق على كل من لا يحتج به سواء كان صالحاً للاستشهاد أم لا ؛ ولكن من تحرى الدقة من النقاد فإنه يطلقها غالباً فيمن يستشهد به ولكن لا يحتج به .
فهي إذن من الكلمات التي تتسع لأكثر من معنى ، وكان من شأن كثير من النقاد في كثير من الأحيان أن يؤثروا في عباراتهم مثل هذه الكلمات المرنة العريضة المعنى على ما ليس كذلك من الكلمات ؛ ولذلك أسباب :
أولها : أن اللفظة كلما كانت أعم كان مجال الكلام أوسع ، وكان المتكلم عن المعاني الحرجة والمسالك الضيقة أبعد ؛ والسلف على مثل ذلك يحرصون ما كان فيه كفاية ، فإن احتيج إلى البيان المحدد والتعيين الكامل صاروا إليه .
وكان ذلك جرياً منهم على طريقتهم في عدم الهجوم على ما لا يعلمونه وعدم الجزم بما لا يتحققونه ، ووقوفاً منهم عند حدود معرفتهم ونهايات اطلاعهم ، وهذا من كمال علمهم ووفرة إنصافهم رحمهم الله .
والثاني من أسباب استعمالهم المصطلحات والألفاظ التي تعم أكثر من معنى : أن يكون المقام مقام إجمال أو أنه لا يقتضي أكثر من التصريح بتلك الكلمة العامة .
والثالث : أن يكون بين الناقد وذلك الراوي نوع من الصلة أو العلاقة المانعة له - بسبب الحياء ونحوه - من التصريح بحقيقة حاله وسيء أوصافه كالاتهام بالكذب ونحوه ، فيقتصر على ما يحصل به المطلوب في ذلك المقام ، وهو بيان بطلان الاحتجاج به .