تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا روى عنه الثقات فهو ثقة :

وردت هذه العبارة أو نحوها في كلام عدد من الأئمة ، وقد تشكل على بعض من يقف عليها من غير أهل العلم ، إذ قد يظن أن شرط توثيق ذلك الراوي هو رواية الثقات عنه ، وأنه فيما عدا ذلك غير ثقة ، وهذا خلاف المعروف من أن الرجل إما أن يكون عدلاً في جميع أحواله ، أو غير عدل في جميعها ، وأما أن يكون مرة عدلاً ومرة غير عدل فهذا ما لا يوجد .

فمعنى هذه العبارة توثيق الراوي مطلقاً ، مع الإشارة من قائلها إلى أمر آخر ، هو أن في بعض أحاديث ذلك الراوي ضعفاً أو نكارةً ، ولكن ليس ذلك من جهته ؛ وإنما هو من جهة من روى تلك الأحاديث عنه ، من غير الثقات ، بدليل أن روايات الثقات عنه مستقيمة .

فهذه العبارة فيها توثيق للراوي ودفاع عنه في الوقت نفسه ؛ وربما تضمنت أيضاً الإشارة إلى الرد على من تكلم فيه .

بقي أن أقول : إن في هذه العبارة احتمالاً آخر وقد يقوى أحياناً ، وهو أن يكون الناقد المستعمل لهذه العبارة يريد أن يشير إلى أنه لم يتهيأ له الاستقراء الكافي لأحاديث ذلك الراوي ، لكثرتها وكثرة من رووا عنه من الضعفاء ؛ واعتبار أحاديث الضعفاء في غاية الصعوبة ؛ فيكون الناقد قد اقتصر على تتبع روايات الثقات عنه ، وأنه قد تبين له من ذلك أنها مستقيمة ؛ فيبين ما علم من حاله بتلك العبارة ، مشيراً إلى نقص قناعته بذلك الاستقراء الناقص ، بسبب قلة من روى عنه من الثقات.

إن الراوي إنما تعلم وثاقته أو استقامة أحاديثه من سبر مرويات الثقات عنه ومروياته عن الثقات ، لأنه لا يمكن أن يعلم حاله إلا بواسطة ذلك ، فإذا كان ثقة اتضح أن ما وقع في مروياته من الخلل وعدم الاستقامة فليس من جهته ، ولكن من جهة من روى عنهم أو رووا عنه من الضعفاء ، وأما تتبع روايات الضعفاء عن الرجل ورواياته عنهم فلا يوصل إلى معرفة حاله ، وإنما يوصل إلى ذلك دراسة طرق أحاديثه المسلسلة بالثقات فوقه ودونه كما تقدم .

لسان المحدثين · الصفحة ٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ٢١٧