وقد حرر الشيخ حمزة المليباري هذه المسألة في كتابه (الحديث المعلول) (ص97) تحريراً جيداً انتهى فيه إلى قوله : (والحق الذي أميل إليه أن الإمام أحمد ويحيى والبرديجي لا يستنكرون الحديث لمجرد تفرد ثقة من الثقات ، وإنما يستنكرونه إذا لم يُعرف من مصادر أخرى ، إما براوية ما يشهد له من معنى الحديث أو بالعمل بمقتضاه ، ومما يمكن الاستئناس به لتقرير [ذلك] قولُ الحافظ البرديجي : "إذا روى الثقة من طريق صحيح الواحد ، لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفاً ولا يكون منكراً ولا معلولاً"(1) ، وقول أحمد : "شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها"(2).
أما إطلاق المنكر على كل ما تفرد به ثقة عن ثقة فلا أظن أنه وقع ذلك في كلامهم، وإن كان بعضُ ما نقل عنهم يوهم خلاف ذلك ، فإنه ينبغي حملُه على أن ذلك على حدود معرفتهم ، لتفادي التناقض بين التصريح والعمل). انتهى.
وكتب بعض الفضلاء في (ملتقى أهل الحديث ) موضوعاً بعنوان (المنكر عند يحيى القطان رحمه الله) ضرب فيه ثلاثة أمثلة من الأحاديث التي استنكرها ، ثم بين أن معنى نكارتها عند القطان هو معنى النكارة المعروف عند عامة المحدثين ، وليس هو مجرد التفرد المطلق كما ادعاه ابن حجر ، وسأقتصر على نقل كلامه على المثال الأول ؛ قال:
(نقل الْمِزِّيُّ في (التهذيب) (24/15) أثناء ترجمة قيس بن أبي حازمٍ: (قال علي بن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: قيسُ بن أبي حازمٍ منكرُ الحديث، ثم ذكرَ له يحيى أحاديث مناكير؛ منها: حديث كلاب الْحَوْأَبِ).
والنص المذكور: ذَكَرَهُ ابن عساكر (49/464) مسندًا عن ابن المديني .
فأنتَ ترى أن القطان يرى أن قيس منكر الحديث، وذكر له في مناكيره حديث كلاب الْحَوْأَبِ.
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب (ص253) .
(2) الكفاية (ص172) .