وهنا أنبه : أن المحدثين قد دَلّت أقوالهم وتصرفاتهم أنهم كانوا يفرقون بين ما يضاف من الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما يضاف إلى غيره ، مما له علاقة بالدين وما لا علاقة له بالدين ؛ بل لقد بلغ كمال علمهم إلى درجة التفريق بين ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعضه عن بعض ، فلأحاديث الأحكام والعقائد منهج فيه اختلاف عن منهج التعامل مع أحاديث الفضائل والرقائق ونحوها ؛ بل أحاديث الأحكام نفسها لهم منهج في التعامل مع الحديث الذي يكون أصلاً في بابه ، والحديث الذي يعتبر من شواهد الباب ؛ ولهم في جميع ذلك إبداعات تخضع لها العقول ، ونفحات إلهام تشهد بأن علمهم علم مؤيد من الباري سبحانه .
فمن عيوب بعض الدراسات التي نَوّهْتُ ببعضها آنفاً أنها كانت بحوثاً من غير المتخصصين في علم الحديث - ولا أقصد بذلك الشهادات والألقاب إنما أقصد الحقائق - فجاءت في بعض الأحيان غير مراعية لتلك الفروق في منهج التعامل التي كان المحدثون يراعونها فخالفوا بذلك منهج الذين أرادوا تطبيق منهجهم ! .
ومن أصرح العبارات التي تدل عل ذلك النهج الحديثي : الباب الذي عقده الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/316 - 320) ، بعنوان : "ما لا يفتقر كَتْبُه إلى إسناد" ؛ ومما جاء فيه : قولُ الخطيب :
"وأما أخبار الصالحين ، وحكايات الزهاد والمتعبدين ، ومواعظ البلغاء ، وحكم الأدباء : فالأسانيد زينة لها ، وليست شرطاً في تأديتها " ؛ ثم أسند الخطيب إلى يوسف الرازي أنه قال : "إسناد الحكمة وُجودُها " ؛ وأسند عن ابن المبارك أنه سئل : نجد المواعظ في الكتب ، فننظر فيها ؟ قال: لا بأس ، وإن وَجدتَ على الحائط موعظة فانظر فيها تتَّعِظ . قيل له : فالفقه ؟ قال : لا يستقيم إلا بسماع".