وقال الباجي في (التعديل والتجريح) (1/283-288) : « اعلم أنه قد يقول المعدل: (فلان ثقة) ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه، ويقول: (فلان لا بأس به) ويريد أنه يحتج بحديثه ؛ وإنما ذلك على حسب ما هو [أي الناقد] فيه، ووجه السؤال له؛ فقد يُسأل عن الرجل الفاضل في دينه المتوسط في حديثه فيقرن بالضعفاء فيقال: ما تقول في فلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قُرن به، وأنه ثقة بالإضافة إلى غيره، وقد يسأل عنه على غير هذا الوجه فيقول: لا بأس به، فإذا قيل: أهو ثقة؟ قال: الثقة غير هذا»(1).
(1) وقال ابن حجر في (لسان الميزان) (1/213 بشائر) : (وينبغي أن يتأمل أيضاً أقوال المزكين ومخارجها فقد يقول العدل [كذا في المطبوع ولعلها المعدِّل]: فلان ثقة ، ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه ، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه ووجهِ السؤال له ؛ فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه فيُقرَن بالضعفاء فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة ، يريد أنه ليس من نمط من قرن به ؛ فإذا سئل عنه بمفرده بيَّن حاله في التوسط .
فمن ذلك أن الدوري قال : سُئل ابن معين عن محمد بن إسحاق وموسى بن عُبيدة الربذي : أيهما أحب إليك؟ فقال: ابنُ إسحاق ثقة ، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال: صدوق وليس بحجة .
ومِثله أن أبا حاتم قيل له : أيهما أحب إليك يونس أو عُقيل ؟ فقال: عُقيل لا بأس به ، وهو يريد تفضيله على يونس ؛ وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح فقال : عقيل ثقة متقن .
وهذا حكم على اختلاف السؤال ؛ وعلى هذا يُحْمَل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل ممن وثق رجلاً في وقت وجرحه في وقت آخر .
وقد يحكمون على الرجل الكبير في الجرح بمعنىً لو وُجد فيمن هو دونه لم يجرح به .
فيتعين لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها ليتبين منها ما لعله يخفى على كثير من الناس إذا عُرض على ما أصلناه ؛ والله الموفق) .