( 4 )
التحذير من طريقة كثير من المتأخرين في تعيين معاني مصطلحات المحدثين
لقد وضع المحدثون اصطلاحات هذا الفن وكان فيها من البساطة والوضوح والسعة وقلة التكلف والقرب من المعنى اللغوي ما لا يخفى ؛ ولذلك وقع بين بعضها من التداخل والتقارب أحياناً أو التباين والتباعد أحياناً أخرى ما هو جار بمقتضى السجية وطبيعة اللغة وعرف التخاطب ، والسياقات والقرائن تبين المراد وتحدده ؛ ولم يكن في ذلك من إشكال قادح في فنهم أو مانع من فهم مقاصدهم لمن سار وراءهم واقتفى آثارهم .
ولكن لما جاء المتأخرون وكان أكبر همهم استعمال اصطلاحات محددة تحديداً كاملاً غير متداخلة فيما بينها ، لا في قليل منها ولا في كثير ، غيروا معانيَ كثير من المصطلحات عند شرحهم إياها وبيانهم لها ، ووضعوا فيها من الزيادات والنقصان ما يحقق لهم تلك الغاية ، وربما وجدوا من ظواهر كلمات بعض القدماء ما تشبثوا به وجعلوه مستنداً لبعض تلك التصرفات الضارة المردودة .
وهؤلاء غفلوا أو تغافلوا عن مسألة خطيرة ، وهي أنه ليس من الصحيح أن نحاكم صنيع القدماء واصطلاحاتهم إلى قواعد وضوابط المنطقيين ، أو نحملها على حدود وتعريفات المتأخرين ، إذا خالفت هذه تلك ؛ ثم نقول : إنهم - أي المتقدمين - تجوزوا أو لم يراعوا الاصطلاح أو نحو ذلك ؛ أو نقول : ليكن هذا المصطلح خاصاً بكذا وهذا المصطلح الآخر خاصاً بكذا لتتميز الأنواع وتنضبط القسمة .
بل كان على المتأخرين فهم اصطلاحات أسلافهم والسير وراءهم فيها .