ولكن لما لم يرتض كثير من المتأخرين ذلك أو لم يوفقوا إليه ، وصارت لهم في بعض أبواب هذا الفن اصطلاحات تختلف قليلاً أو كثيراً عن اصطلاحات أهل الاصطلاح ، أعني المتقدمين من المحدثين ، فهنا يقول القائل : لا نشاحكم أيها المتأخرون فيما اصطلحتم عليه ولكن بينوا اصطلاحكم البيان الكامل الوافي وانسبوه لأنفسكم وحدكم لا للقدماء ولا لعامة المحدثين وصرحوا بتلك النسبة ليزول الإيهام الحاصل بإغفالها ، وافهموا مصطلحات القدماء واعلموا ما بينها وبين مصطلحاتكم من فرق وتفاوت ، وبينوا ذلك لطالبيه ؛ وإن كان ذلك لا يكفي أيضاً لأن فيه توعيراً لطريق العلم وتعقيداً لمشكلات الطلب .
وفي الجملة يجب الحذر من انحرافات المتأخرين في فهم اصطلاحات المتقدمين ، فإن كثيراً من المتأخرين غلب عليهم التقليد والجمود والتأثر بالنظرة المنطقية الرياضية إلى اصطلاحات العلماء وعباراتهم ، ومحاكمة المتقدمين إلى المتأخرين وقياس ألفاظ الأوائل على ألفاظ الأواخر ، وتوحيد معاني المصطلحات ، فوقع بسبب ذلك من الأوهام والتخليطات فوق ما يظنه غير المتبحر في هذا العلم العظيم . فإنه وإن كانت صناعة التعريفات المنطقية بذاتها ليست جرماً لا يقترب ، إلا أن التنطع والتكلف الذي بنيت عليه لا يناسب كثيراً لغة ومقاصد مؤسسي علم النقد الحديثي الذي منَّ الله عليهم بعدم معرفة المنطق وعدم الاقتراب - فضلاً عن الخوض - في الفلسفة .