وإذا تقرر هذا فقد فات المصنفَ حالةٌ أخرى لهذه اللفظة وهي خفية جداً قلَّ من نبه عليها ، بل لم ينبه عليها أحد من المصنفين في علوم الحديث مع شدة الحاجة إليها ، وهي أنها ترد ولا يتعلق بها حكم باتصال ولا انقطاع ، بل يكون المراد بها سياق قصة سواء أدركها الناقل أو لم يدركها ، ويكون هناك شيء محذوف مقدر .
ومثال ذلك : ما أخرجه ابن أبي خيثمة في (تاريخه) عن أبيه قال : "ثنا أبو بكر بن عياش : ثنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه" .
فهذا لم يُرِدْ أبو إسحاق بقوله "عن أبي الأحوص" أنه أخبره به ، وإنما فيه شيء محذوف تقديره : "عن قصة أبي الأحوص" ، أو "عن شأن أبي الأحوص" ، أو ما أشبه ذلك ، لأنه لا يمكن أن يكون أبو الأحوص حدثه بعد قتله .
ونظير ذلك : ما رواه ابن منده في "المعرفة" في ترجمة معاوية بن معاوية الليثي قال : أنا محمد بن يعقوب : ثنا ابن أبي داود ثنا يونس بن محمد ثنا صدقة بن أبي سهل ، عن يونس بن عبيد عن الحسن عن معاوية بن معاوية رضي الله تعالى عنه ، قال(1) : "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غازياً بتبوك ، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقال : يا محمد : هل لك في جنازة معاوية بن معاوية ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم ؛ فقال جبريل عليه الصلاة والسلام هكذا بيده ، ففرج له عن الجبال والآكام" فذكر الحديث .
قال ابن مندة : "هكذا قال يونس بن محمد "عن معاوية" ، والصواب مرسل" .
قلت : ووجه الإشكال فيه أن معاوية رضي الله تعالى عنه مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم - كما ترى - ، فكيف يتهيأ للحسن أن يسمع منه قصة موته ، ويحدث بها عنه ؛ وما المراد إلا ما ذكرتُ : أنه لم يقصد بقوله "عن معاوية" الروايةَ ، وإنما يُحمل على محذوف تقديره "عن قصة معاوية بن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلى آخره ؛ فيظهر حينئذ الإرسال .
(1) أي الحسن .