وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة ، وأنهم قد صححوا ما لا يُحصى من الأحاديث، مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق ، اللهم إلا أن يُثبِتَ المتعقبُ أنَّ الخبرَ غيرُ منكر ) .
عن :
هذه اللفظة واحدة من أخف وأخصر صيغ الأداء وأكثرها تكرراً في الأسانيد ؛ ولها في معناها وحكمها أربعة أحوال :
أحدها : أن يستعملها راو غير مدلس ، ويكون استعماله لها في غير ما يأخذه بالإجازة ، ففي هذه الحالة تكون (عن) بمنزلة (حدثنا) و(أخبرنا) إذا كان الراوي الذي فوقه(1) من شيوخه .
الثاني : أن يستعملها المدلس ، والأصل في عنعنة المدلس الرد ، إلا ما يستثنى من ذلك مما بينه العلماء في مواضعه من كتبهم .
الثالث : أن تُستعمل بطريقة تشبه التدليس من جهة وتخالفه من جهة أخرى ، وهي استعمال المتأخرين لها في الإجازة ، ولولا اصطلاحهم على استعمالها فيها وشيوع عرفهم بذلك لعُدَّ هذا الصنيع من صانعه تدليساً .
الرابع : أن يكون لها معنى لغوي أو عرفي لا علاقة له باتصال ولا انقطاع ، وكما يأتي بيانه .
قال ابن حجر في (النكت) (2/585-590) : (حاصل كلام المصنف أن للفظ "عن" ثلاثة أحوال :
أحدها : أنها بمنزلة "حدثنا" و "أخبرنا" بالشرط السابق .
الثاني : أنها ليست بتلك المنزلة إذا صدرت عن مدلس ، وهاتان الحالتان مختصتان بالمتقدمين .
وأما المتأخرون - وهم من بعد الخمسمئة وهلم جراً - فاصطلحوا عليها للإجازة ، فهي بمنزلة "أخبرنا" ، لكنه إخبار جُمْلي كما سيأتي تقريره في الكلام على الإجازة ؛ وهذه هي الحالة الثالثة ؛ ولأجل هذا قال المصنف : "لا يخرجها ذلك من قبيل الاتصال ، إلا أن الفرق بينها وبين الحالة الأولى مبني على الفرق فيما بين السماع والإجازة ، لكون السماع أرجح ، والله أعلم .
(1) أي أول راو يذكره في السند.