(إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة ، فإنهم يتطلبون له علةً ، فإذا لم يجدوا علةً قادحة مطلقاً حيث وقعت : أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقاً، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر ؛ فمن ذلك إعلاله بأنَّ راويه لم يصرّح بالسماع ، هذا مع أن الراوي غير مدلس .
أعلَّ البخاري بذلك خبراً رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، عن عكرمة ؛ تراه في ترجمة عمرو من "التهذيب" .
ونحو ذلك كلامه في حديث عمرو بن دينار في القضاء بالشاهد واليمين .
ونحوه أيضاً كلام شيخه علي ابن المديني في حديث "خلق الله التربة يوم السبت... إلخ" ، كما تراه في "الأسماء والصفات" للبيهقي .
وكذلك أعلَّ أبو حاتم خبراً رواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري ، كما تراه في "علل ابن أبي حاتم" (2/353) .
ومن ذلك إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين الصلاتين ، بأنَّ قتيبة لمّا كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني ، وكان خالد يُدخل على الشيوخ ؛ يراجَع "معرفة (علوم) الحديث" للحاكم (ص120) .
ومن ذلك الإعلال بالحمل على الخطأ ، وإن لم يتبين وجهه ، كإعلالهم حديث عبدالملك بن أبي سليمان في الشفعة .
ومن ذلك إعلالهم بظنِّ أن الحديث أُدخل على الشيخ ، كما ترى في "لسان الميزان" في ترجمة الفضل بن الحباب وغيرها .
وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقاً ، إنما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتنُ منكراً يغلب على ظنِّ الناقد بطلانُه ، فقد يُحقق(1) وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها .
(1) هكذا في المطبوعة ، ولعلها (تحقق) .