تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ الْأَوَّلَ وَيُفَسِّرُهُ وَقَوْلُهُ:" ذعته " أَيْ: خَنَقْته فَبَيَّنَ أَنَّ مَدَّ الْيَدِ كَانَ لِخَنْقِهِ وَهَذَا دَفْعٌ لِعُدْوَانِهِ بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْخَنْقُ وَبِهِ انْدَفَعَ عُدْوَانُهُ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ وَهُوَ رَبْطُهُ إلَى السَّارِيَةِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّصَرُّفِ الْمَلَكِيِّ الَّذِي تَرَكَهُ لِسُلَيْمَانَ، فَإِنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي الْجِنِّ كَتَصَرُّفِهِ فِي الْإِنْسِ تَصَرُّفَ عَبْدٍ رَسُولٍ يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ لَا يَتَصَرَّفُ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ الْمَلَكِيُّ؛ فَإِنَّهُ كَانَ عَبْدًا رَسُولًا وَسُلَيْمَانُ نَبِيٌّ مَلِكٌ وَالْعَبْدُ الرَّسُولُ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ الْمَلِكِ، كَمَا أَنَّ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ أَفْضَلُ مِنْ عُمُومِ الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِي عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُصَلِّي، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَخَنَقَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدِي، وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَأَصْبَحَ مُوثَقًا حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ». (1)

وعن أبي عُبَيْدٍ، حَاجِبِ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، مُعْتَمًّا بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، مُرْخٍ طَرَفَهَا مِنْ خَلْفِهِ، مُصْفَرَّ اللِّحْيَةِ، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَدَّنِي: ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ فَصَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ، وَهُوَ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ، فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ، فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي، فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ إِصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ، الإِِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، وَلَوْلاَ دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ، لأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلاَعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لاَ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ. (2)

وَهَذَا فِعْلُهُ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ هَذَا فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ كَدَفْعِ الْمَارِّ وَقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ وَالصَّلَاةِ حَالَ الْمُسَايَفَةِ. وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي شَيْطَانِ الْجِنِّ إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيِّ الْمُصَلِّي هَلْ يَقْطَعُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد كَمَا ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا: يَقْطَعُ لِهَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِقَوْلِهِ لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ مُرُورَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ يَقْطَعُ لِلصَّلَاةِ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ

(1) - السنن الكبرى للنسائي (10/ 234) (11375) صحيح

(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) (4/ 208) (11780) 11802 - حسن

لمهذَّبُ في علاجِ العَيْنِ والمَسِّ والسِّحْرِ · الصفحة ١٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لمهذَّبُ في علاجِ العَيْنِ والمَسِّ والسِّحْرِص ١٣٠