تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الأمة تأخذ بيده صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت[16][16].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل لعق أصابعه الثلاث[17][17] .

وكان صلى الله عليه وسلم يكون في بيته في خدمة أهله[18][18] ولم يكن ينتقم لنفسه قط[19][19] .

وكان صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله[20][20] .

ويعلف البعير ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشى مع الأرملة واليتيم في حاجتهما[21][21]، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه، ولو إلى أيسر شيء[22][22] .

وكان صلى الله عليه وسلم هي المؤنة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه بساماً، متواضعاً من غير ذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب، رحيماً بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم.

وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ - أو تحرم عليه النار - تحرم على كل قريب هين لين سهل" رواه الترمذي، وقال حديث حسن[23][23] .

وقال: "لو دعيت إلى ذراع - أو كراع - لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع - أو كراع - لقبلت" رواه البخاري[24][24] .

3 - حقيقة الذل والتواضع:

سئل الفضيل بن عياض عن التواضع؟ فقال: يخضع للحق، وينقاد له. ويقبله ممن قاله.

وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح، ولين الجانب.

وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان، والعز في التواضع، فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار.

وقال إبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضع، والعز في التقوى، والحرية في القناعة.

وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء، فقلت: "يا أمر المؤمنين؛ لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها".

وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة، فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره، ويقول: طَرِّقوا للأمير.

ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز، فاستضافوه، فنزل فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله، فأطعمهم وكساهم، وقال: اليد لهم، لأنهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر ممنه.

ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنه عير بلالاً رضي الله عنه بسواده، ثم ندم، فألقى بنفسه، فحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه، فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال.

وروح التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق. بأن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل، والانقياد، والدخول تحت رقة، بحيث يكون الحق متصرفاً فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بضده، فقال: "الكبر بطر الحق، وغمص الناس"[25][25] . فبطر الحق: رده وجحده، والدفع في صدره، كدفع الصائل، و "غمص الناس" احتقارهم، وازدراؤهم، ومتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم، وجحدها، واستهان بها.

ولما كان لصاحب الحق مقالة وصولة: كانت النفوس المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك الصولة التي فيها، ولا سيما النفوس المبطلة، فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها، فكان حقيقة التواضع: خضوع العبد لصولة الحق، وانقياده لها، فلا يقابلها بصولته عليها.

وجمال التواضع إنما يكون بأن ترضى بما رضي الحق به لنفسه عبداً من المسلمين أخاً، وأن لا ترد على عدوك حقاً، وأن تقبل من المعتذر معاذيره.

فإذا كان الله قد رضي أخاك المسلم عبداً، أفلا ترضى أنت به أخاً؟ فعدم رضاك به أخاً: عين الكبر، وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله، لا يرضى بأخوته، والله راض بعبوديته؟.

ولا تصح لك درجة "التواضع" حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك، وإذا لم ترد عليه حقه، فكيف تمنعه حقاً له قبلك؟ بل حقيقة "التواضع" أنه إذا جاءك قبلته منه، وإذا كان له عليك حق أديته إليه، فلا تمنعك عداوته من قبول حقه، ولا من إيتائه إياه.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٣٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٣٧٩