قال الشاعر:
ملأ السنابل تنحني لخشوع والفارغات رؤوسهن شوامخ
إن الإيمان إذا سكن في القلب واستجابت لذلك الجوارح تحول المؤمن إلى شجرة طيبة ريحها وثمرها يسقي من ماء غير آسن وأصلها ثابت وفرعها في السماء.
يقول صاحب زبدة التفسير: "أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان، من الازدراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوئ، ومناقبهم مثالب، حسداً وبغضاً وكراهة للحق وأهله" اهـ.
قال ابن كثير رحمه الله عند نفس الآية [آية سورة المائدة]: "وهذه صفات المؤمنين الكُهَّل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه متعززاً على عدوه كقوله تعالى: ]أشداء على الكفار رحماء بينهم[ ومن علامة حب الله تعالى للمؤمنين أن يكون لين الجانب متواضعاً لإخوانه المؤمنين، متسربلاً بالعزة حيال الكافرين والمنافقين" اهـ.
وهذا ما تضافرت نصوص الوحي لتثبيته في قلوب الناس وليكون من يريد تحقيق أمر التمكين على يديه مثالاً يحتذى في تطبيق هذه الأخلاق الرائعة والعمل بها، ولقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لو كان غليظ القلب شديداً مع أصحابه لانفضوا من حوله: ]ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك[.
الفظ: الغليظ السيء الخلق.
انفضوا: تفرقوا.
ونذكر هنا بعضاً من النصوص وأقوال أهل العلم التي تحث المؤمنين على هذه الأخلاق:
1 - بعض النصوص: قال الله تعالى: ]وعباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هوناً[ [الفرقان: 61]، أي سكينة ووقاراً متواضعين، غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين، قال الحسن: علماء حلماء، وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا.
و "الهون" بالفتح في اللغة: الرفق واللين. والهون بالضم: الهوان، فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان، والمضموم: صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران.
وقال تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين[ [المائدة: 54].
لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة "على" تضميناً لمعاني هذه الأفعال، فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول، كما في الحديث: "المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل"[10][10] وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب، والنمام، والبخيل، والجبار.
وقوله: ]أعزة على الكافرين[ هو من عزة القوة والمنعة والغلبة. قال عطاء رضي الله عنه: للمؤمنين كالوالد لولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته، كما قال في الآية الأخرى ]أشداء على الكفار رحماء بينهم[ [الفتح: 29].
وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد"[11][11] .
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"[12][12].
وفي حديث احتجاج الجنة والنار: "أن النار قالت: مالي لا يدخلني غلا الجبارون، والمتكبرون؟ وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم" وهو في الصحيح[13][13] .
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل: العزة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني عذبته"[14][14] .
2 - هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك:
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم[15][15] .