ونحن نتطلع إلى ذلك اليوم الذي يعز الله فيه الإسلام وجنده، ويخذل الشرك وأهله، يجب علينا أن نضع هذه المعاني نصب أعيننا حتى نزيل العوائق التي تحول بين هذا الواقع المشرق المضيء وبين واقع الذل والهوان الذي نتجرع كؤوسه كل يوم.
2 - بين الوعد والتهديد:
وعد الله الذين آمنوا بالنصر والتمكين ثم الظفر بأعدائهم في آيات كثيرة من كتابه العزيز، والله لا يخلف وعده، فإذا ما تخلف هذا الوعد وتأخر فعلى المؤمنين أن يراجعوا مسيرتهم وأن يتهموا أنفسهم ليكتشفوا المثالب والأخطاء التي وقعوا فيها حتى يتجنبوها، ويجب عليهم أن يقتلعوها من جذورها حتى لا تألفها النفوس وتعتاد على العيش في مستنقعها الآسن [كما هو واقعنا اليوم فإلى الله المشتكى].
فالحق جل في علاه يقول: ]إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد[، ]وكان حقاً علينا نصر المؤمنين[، ]والعاقبة للمتقين[، ]واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفين في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره[، ]وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب[، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتاب الله، أو مبين في سنة رسوله عليه السلام.
هذا الرب الرحيم الودود الذي قطع على نفسه هذا الوعد، هو الذي هدد من يتقاعس أو يتوانى أو يرتد عن نصرة هذا الدين بالاستبدال في حال الإقدام على هذه الأمور الذميمة.
فقال في سورة المائدة [54]: ]يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم - إلى قوله - والله واسع عليم[.
وقال في سورة التوبة: ]قل إن كان آباؤكم - إلى قوله - والله لا يهدي القوم الفاسقين[، وقال: ]يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله - إلى قوله - والله على كل شيء قدير[.
وقال في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: ]ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني - إلى قوله - ثم لا يكونوا أمثالكم[، قال القرطبي: "أي في الجهاد وطرق الخير".
وبالعودة إلى أسباب النزول وبعض ما تضمنته هذه الآيات من أحكام نجد ما يلي:
1 - ذكر المفسرون عند آيات سورة المائدة بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين ما سيقع في هذه الأمة من ارتداد بعض الطوائف عن الإسلام، وذلك لأن هذه الآية كانت من أواخر ما نزل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول هذه الآية وما قبلها في سورة المائدة: "فالمخاطبون بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى هم المخاطبون بآية الردة، ومعلوم أن هذا يتناول جميع قرون الأمة، وهو سبحانه لما نهى عن موالاة الكفار، وبين أن من تولاهم من المخاطبين فإنه منهم؛ بين أن من تولاهم وارتد عن دين الإسلام لا يضر الإسلام شيئاً، بل سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، فيتولون المؤمنين دون الكفار، ويجاهدون في سبيل الله؛ لا يخافون لومة لائم - إلى أن قال - فهؤلاء الذين لم يدخلوا في الإسلام، وأولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه؛ لا يضرون الإسلام شيئاً، بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة" [من وسائل دفع الغربة، ص 63 - 64].
2 - آيات سورة التوبة، جاءت عقب النهي عن موالاة الآباء والإخوة الكفار وختم ذلك بقوله: ]والله لا يهدي القوم الفاسقين[، يقول الألوسي رحمه الله: "أي الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين وتقديم محبة من ذكر على محبة الله عز وجل ورسوله..." اهـ.
3 - ]يستبدل قوماً غيركم[، "وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال، أي قوماً مطيعين، مؤثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم وهم أبناء فارس كما قال سعيد بن جبير، أو أهل اليمن، كما روي عن أبي روق، أو ما يعم الفريقين كما اختاره بعض المحققين" [نفس المرجع: ص 133].