تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا اتضح ذلك فقد سقطت محاولة الذين يريدون أن يحتجوا بقول ابن عباس -رضي الله عنه-، ليجعلوه منطبقاً على التشريع بغير ما أنزل الله، وهو أمر لا يمكن أن يصدر عن ابن عباس -رضي الله عنه-، لأنه مخالف لصريح الكتاب:

(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) (1).

إنما التبس الأمر على بعض المسلمين حين هالتهم بعض تصرفات بني أمية التي يخالفون بها أمر الله، فظنوا أنها تصرفات تخرجهم من الإسلام، فبين لهم ابن عباس -رضي الله عنه- أن أمر الأمويين لم يصل إلى هذا الحد، لأنهم لم يشرعوا تشريعاً مخالفاً لشرع الله، فيكفروا بذلك كفراً مخرجاً من الملة، إنما هم فقط خالفوا أوامر الله متأولين، أو غير متأولين، فأصبحوا بذلك عصاة، ولكنهم مسلمون .. بعبارة أخرى إنهم لم ينقضوا لا إله إلا الله باتخاذ شريعة غير شريعة الله، فكان عملهم معصية، سماها ابن عباس -رضي الله عنه- "كفراً دون كفر" ..

أما حين وقع التشريع بغير ما أنزل الله، وهو لم يقع -قبل القرن الأخير- إلا مرة واحدة أيام التتار حين حكموا "بالياسق" بدلاً من شريعة الله، فقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، قال ما نصه:

"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات التي يضعونها بأهوائهم وآرائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها بمجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكّم سواه في قليل ولا كثير" (2).

ولم يكن الفارق بين عملهم وعمل بني أمية متعلقاً "بحجم" المخالفة عند هؤلاء وهؤلاء، إنما كان متعلقاً "بنوع" المخالفة، فكانت مرة عصياناً في التطبيق، وفي المرة الأخرى تشريعاً بغير ما أنزل الله.

* ... * ... *

إذا اتضح الأمر بهذه الصورة، وتبين أن التشريع بغير ما أنزل الله ناقض للا إله إلا الله، فقد بقي أن نعرف أن الرضا -مع العلم- بتشريع مخالف لما أنزل الله، هو كذلك ناقض للا إله إلا الله:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (3)) ... (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (4).

"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (5).

(1) الشورى: 21.

(2) تفسير ابن كثير جـ2 ص68.

(3) النساء: 60.

(4) النساء: 65.

(5) رواه مسلم.

لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياة · الصفحة ٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياةص ٩٠