تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكان لا بد من استنبات البذرة من جديد، لتؤتى -في هذه المرة- ثمارها الصحيحة، فبدأ الوحي بتعريف الناس أن ربهم هو الذي خلقهم من علق، وأنه علم بالقلم؛ علم الإنسان ما لم يكن يعلم، فله الفضل في إيجاد الإنسان أصلاً، وصيرورته إنساناً متكاملاً بعد أن كان علقة لا تكاد ترى، وله الفضل فيما يتحصل عليه الإنسان من العلم، بينما الناس يولدون لا يعلمون شيئاً:

(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1).

ومقتضى هذا الفضل كله من جانب الله، أن يشكر الإنسان النعمة، ويتوجه بالعبادة إلى خالقه وحده، لا يشرك به شيئاً .. ولكن النفوس المنحرفة "تطغى" عن الحق، فلا تقف عنده، بل تقتحمه وتتخطاه ..

(كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى).

ونقف هنا عند الطغيان .. إنه "خُلُق" .. خلق جاهلي يُذْكر من أسبابه هنا سببان رئيسيان: توهم الإنسان أنه استغنى عن خالقه، بسبب ذات العطاء الذي تفضل الله به عليه! وعدم إيمان ذلك الإنسان بأن هناك رُجْعىَ إلى الله، يحاسب الله فيها عباده على ما اقترفوا في حياتهم الدنيا ..

ومن ثم تنبه الآيات إلى ذلك المرض الذي يصيب النفوس في الجاهلية فتطغى، وتقدم العلاج اللازم لذلك، وهو التنبيه إلى أن ما يتمتع به الإنسان من نِعمٍ هو من عند الله، وأن هناك رجعى وحساباً وثواباً وعقاباً ..

(اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

(إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ... ).

ونمضي مع الآيات حتى قوله تعالى: (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ).

هنا خلق آخر من أخلاق الجاهلية .. الكذب .. والكذب هنا أوسع مما اصطلح الناس فيما بينهم أن يسموه كذباً، إنه كذب على الله. وكذب على الفطرة التي فطرها الله. وكذب على الحق الذي خلق الله به السموات والأرض .. ولكنه أولاً وآخراً خلق ..

وفي المقابل تُذْكَر الأخلاقيات التي يتحلّى بها المؤمنون؛ التقوى في مقابل الطغيان. والسجود والاقتراب من الله بالعمل الصالح في مقابل الكذب على الله وعلى الحق ..

* ... * ... *

هذه اللفتة الواضحة إلى "الأخلاق" في أول سورة عن العقيدة ذات دلالة ولا شك. إن هناك اقتراناً واضحاً بين العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة، وبين العقيدة المنحرفة والأخلاق المرذولة ..

وتتوالى السور القرآنية فتتضح الصلة أكثر بين العقيدة والأخلاق:

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (2).

(1) النحل: 78.

(2) المؤمنون: 1 - 11.

لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياة · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياةص ٤٩