تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الإسلاميون -والشباب المتعجل خاصة- فكثير منهم قد دفعته ظروف الصراع الفكري الدائر بين الإسلام والمذاهب العلمانية إلى التركيز على قضية تحكيم الشريعة، على أنها هي التي تنقص المجتمعات الحالية؛ لتصبح مجتمعات إسلامية، وحتى هؤلاء فكثير منهم تنحصر قضية الشريعة في حسهم في وجوب تطبيق الحدود، ولا يلتفتون إلى سعة الشريعة وشمولها آفاقاً كثيرة أخرى غير تطبيق الحدود، فاعتقدوا أن الناس بمجرد تطبيقهم لتلك الحدود يكونون قد استكملوا كل ما يلزمهم؛ ليعيشوا حياة إسلامية صحيحة، ولو كانت مناهج تعليمهم ووسائل إعلامهم وأنماط حياتهم على ما هي عليه اليوم، أو بتعديلات "بسيطة" تضفى عليها صفة الإسلام! ومروا مروراً سريعاً على الجانب الآخر من "الحاكمية" المتعلق بالاعتقاد والعبادة .. أو بعبارة أخرى ركزوا كثيراً على شرك التشريع، ومروا سريعاً على شرك الاعتقاد والعبادة، مع أهمية الجوانب الثلاثة كلها في هذا الدين، ودخولها كلها في مفهوم لا إله إلا الله، ووقوع الخلل فيها جميعاً في حياة "المسلم المعاصر"!

وليس التركيز على أحد الجوانب أكثر من غيره أمراً يعاب على أحد من المفكرين؛ أو الدعاة، إذا التفتوا إلى الجوانب الأخرى وأعطوها حقها من البيان، فهذا التركيز أمر بشري، يقع من المفكرين والدعاة بغير قصد منهم، بحكم أنهم يجابهون مشاكل معينة تبرز في عصرهم، فيجاهدون لرد الناس فيها إلى حكم الله فيركزون عليها أكثر .. فقد ركز ابن تيمية رحمه الله كثيراً على قضية الصفات؛ لأن الفرق الضالة كانت قد انحرفت فيها انحرافاً شديداً أفسد العقيدة، فكانت تلك هي "أزمة العصر" في زمنه، ولكنه وفّى بقية الجوانب حقها في كتبه وفتاواه، وركز الشيخ محمد بن عبد الوهاب على قضية الأولياء والأضرحة وعبادة القبور؛ لأنها كانت "أزمة العصر" في زمنه، ولكنه تحدث عن بقية الجوانب فوفاها حقها في مختلف كتبه، وركز سيد قطب على حاكمية الشريعة؛ لأنها "أزمة العصر" في الوقت الحاضر، ولكنه وفّى الحديث عن الجوانب الأخرى خاصة في "الظلال" و"خصائص التصور الإسلامي" و"مقومات التصور الإسلامي". ولكن الذين يتتلمذون على فكر أولئك الشيوخ ينسون! فقد ركز كثير من تلاميذ ابن تيمية على قضية الصفات وحدها كأنما هي وحدها "العقيدة"! وركز كثير من تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب على شرك القبور وحده كأنما هو وحده الشرك! وركز كثير من تلاميذ سيد قطب على حاكمية الشريعة وحدها كأنما هي وحدها هي أصل الدين! والأولى بهؤلاء جميعاً أن يعاودوا التتلمذ على فكر شيوخهم كله، ولا يقتصروا منه على الجوانب التي ركز عليها شيوخهم لظروف عصرهم الخاصة!

* ... * ... *

والذي أردت إبرازه في هذه الصفحات أن "لا إله إلا الله" لا تنحصر في تلك المجالات التي تعودنا أن نتحدث فيها، سواء مجال الاعتقاد، أو الشعائر التعبدية، أو تحكيم الشريعة، على كل الأهمية التي جعلها الله لهذه المجالات الثلاثة -إذ جعل نقضها أو نقض أي واحد منها نقضاً لأصل لا إله إلا الله -إنما هي -كما أنزلها الله- شاملة شمولاً حقيقياً لكل مجالات الحياة، ما كبر منها وما صغر، وما بدت صلته ظاهرة بلا إله إلا الله، وما خفيت صلته على بعض الناس، أو على كثير من الناس! وتكفي هذه الآية الكريمة وحدها للدلالة على ذلك:

(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ ... ) (1).

(1) الأنعام: 162 - 163.

لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياة · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياةص ٢