ولا بد أن تعلم الصحوة أن كلا الأمرين ليس بالأمر الهين، ولا الأمر الذي يجوز الاستعجال فيه ..
فأما البيان -التعليمي أو التبليغي- فالعقبات أمامه هي ما رسب في حس الناس من آثار الفكر الإرجائي والفكر الصوفي ثم الفكر العلماني في القرن الأخير .. وهي رواسب كثيرة، مضنية في إزالتها، لأن كثيراً منها أخذ في حس الناس صورة "الحقائق" المسلمة، فإذا جئت تردهم إلى حقائق الكتاب والسنة كما عرفها السلف الصالح، فغر كثير من الناس أفواههم عجباً وقالوا: من أين جئتم بهذا الفكر الذي سيخرّب الدين!!
وليست هذه الرواسب وحدها هي العقبة .. فهناك "الإعلام" بشعبتيه: شعبة التشويش، أو التشويه، وشعبة الإفساد! فأما شعبة التشويش، أو التشويه فهي تقوم بالتشويش على الصحوة الإسلامية، واتهامها بالتطرف حيناً، والرجعية حيناً، والمثالية حيناً (1)، وبكل نقيصة في كل حين .. وذلك ديدن الجاهلية دائماً مع دعوة لا إله إلا الله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (2).
وأما شعبة الإفساد فهي تقوم بعمل تخريبي من نوع آخر، هو تلهية الناس عن ذكر ربهم وذكر اليوم الآخر، وشغلهم بما يدغدغ غرائزهم، فيهبطون، ثم يكرهون الصعود، ويستمرئون الحمأ الآسن، ويقاومون من يريد أن يخرجهم منه، كما تكره الديدان أن تخرج من الطين، وتقاوم من يجذبها؛ ليخرجها من الحمأ المسنون ..
وأما عملية التربية فالعقبات أمامها هي الواقع المتفلت الذي عاشت فيه الأمة قرونها الأخيرة، وقد كان تفلتاً واسع المدى، لم يدع مجالاً من مجالات السلوك الإسلامي إلا دخل فيه .. فإعادة الناس إلى السلوك الإسلامي السوي، وضرورة الارتفاع -في بناء القاعدة- عن المستوى العادي إلى المستوى الفائق جهد مُضْنٍ إلى أقصى حد .. ولا بد من بذله مع ذلك ..
وليس الواقع المتفلت هو العقبة الوحيدة أمام عملية التربية، بل هناك إلى جانبه عقبات ..
فالقدوة ما تزال قليلة في عالمنا الإسلامي .. وفي السنوات الخمسين الماضية، أو نحوها اتجهت الحركة -متعجلة- إلى الجماهير، قبل أن تخرج العدد الكافي من المربين لتوجيه هذه الجماهير .. ونعاني اليوم معاناة ظاهرة من كثرة إقبال الشباب وقلة المربين! وعلى الص حوة في واقعها المعاصر أن تعوض ما فاتها في نصف القرن الفائت، فتعكف بحد على تكوين المربين الذين يوفّون بحاجة العدد المتزايد من الشباب المقبل على الإسلام .. وإلا فسيصبح لدينا في الحركة الإسلامية "زبد" كثير يطفو على السطح، ثم تنفثئ فقاعاته، وتذهب جفاء مع التيار ..
(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (3).
وإلى جانب قلة المربين، فإن مفهوم "التربية" ذاته غير واضح تماماً في ذهن كثير ممن يقومون بعمليات التربية والتوجيه ..
بعض الجماعات تهتم بالتربية "الجهادية" وحدها وتهمل بقية الجوانب، لأن الذي يشغل حسها هو المعركة الدائرة ضد الحركة الإسلامية، وضرورة التصدي لها بالجهاد المسلح لكف أذاها عن الحركة الإسلامية ..
(1) المثالية في عرف العلمانيين نقيصة معناها التشبث بمثل غير قابلة للتطبيق في عالم الواقع!.
(2) غافر: 26.
(3) الرعد: 17.